|
|
||||||||||||||
|
|
||||||||||||||
|
المطران جورج خضر في أحد الشعانين
ونشدّ أنفسنا إليه كما لم تكن مشدودة لعلنا بأنه يحررنا من وطأة الخطيئة ووطأة الخوف. اليوم ندشن أسبوع الآلام المقدسة فتقيم الأحد مساء والاثنين والثلاثاء صلاة الختن اي صلاة المسيح العريس الذي سيجعل كل نفس تائبة عروس له. ها نحن مرافقوه الى اورشليم لنتقبل الحياة من موته. سوف نراه مسمرا على الصليب ونتبعه الى القبر حتى نشاهده قائما من بين الأموات لننال منه فصحا طيبا.
سنحشر أنفسنا في الصلوات لتتضح رؤيتنا لسره وهي تبيد خطايانا. في هذه العبادات قراآت من العهد القديم بما في ذلك المزامير تتحدث كلها عن الحَمَل المذبوح من أجلنا ورسائل وأناجيل تتكلم عن الخلاص الذي نلناه بتطوعه للموت. هذه وتلك تُسرَد في إطار صلوات وترانيم تدفعنا الى التمسك به حياة لنا. فاذ ا قرأنا مثلا عن آلام أيوب وصبره نفهم انه كان صورة عن المخلص , ونتنبه لئلا نقع في الغفلة. "ها الختن يأتي في نصف الليل " ليزيل الظلام عن النفس ويطلقها في التسبيح حتى تختلي معه في ذلك العرس الروحي الذي يجعلها تنسى ما كانت تعشقه قديما: "انني أشاهد خدرك مزينا يا مخلصي " والخدر في اللغة الغرفة الزوجية والفكرة ان النفس بعد ان كانت مخطوبة للمسيح ترجو لقاء الاتحاد معه والاتحاد بيننا وبين المخلص تم على الصليب. ولكن الإنسان المدنس لا يدخل. يحتاج الى لباس العرس الذي هو التوبة.
وندرك قمة من قمم التوبة الثلاثاء مساء في الترنيمة الشهيرة : " يا رب ان المرأة التي سقطت في خطايا كثيرة". أم الأربعاء مساء فنقيم صلاة الزيت المقدس التي تريدنا الكنيسة ان نتممها للمرضى في بيوتهم في صيغتها للمرضى في بيوتهم في صيغتها الطويلة او صيغته قصيرة. ولست اعلم لماذا ومتى سقط سر مسحة الزيت هذا من منازلنا في بيوتهم في صيغتها الطويلة او صيغة قصيرة. ولست اعلم لماذا ومتى سقط سر مسحة الزيت هذا من منازلنا في الكرسي الأنطاكي ولا شيء يمنع اي كاهن من تجديد ذلك بنفسه لما فيه من نفع للمريض.وهكذا ينتهي النصف الأول من أسبوع الآلام.
الخميس صباحا ذكرى العشاء السري. وفي القديم كان يقام مساء لانه يتم في سياق صلاة الغروب ولعلّه قُدِّم الى الصباح لان المؤمنين يؤثرون سماع أناجيل الآلام مساء. ونتلو, اذ ذاك, كل روايات الآلام كما وردت في الأناجيل الأربعة ومستهلها الخطاب الوداعي كما ورد في بشارة يوحنا وهو ذروة من ذرى اللاهوت اليوحنائي. والمؤمنون متعلقون بالطواف بالصليب الذي يجري بعد الانجيل الخامس :" اليوم عُلِق على خشبة". وهذا الطواف ظهر في القرن الماضي في الكرسي الأنطاكي وعمَّ الكنائس اليونانية.
غير ان الاسمتاع بالمعاني اللاهوتية للآلام هو في خدمة الساعات الملوكية التي تتلى في صبحيه الجمعة العظيمة. المزامير تنصّب مباشرة بما ذاقه المخلص من أوجاع :" الهي, الهي لماذا تركتني". والنبؤات تطل مباشرة على سر الفداء:" وزنوا أجرتي ثلاثين من الفضة ( زخريا النبي) او "كنت أنا كخروف بريء من الشر يُساق الى الذبحْ" (ارميا) حتى نبلغ القمة مع اشعياء:"لا صورة له ولا بهاء فننظر اليه ولا منظر فنشتهيه...انه قد أخذ عاهاتنا وحمل أوجاعنا.... جُرح لأجل معاصينا وتألم لأجل آثامنا.... كشاة سيق الى الذبح وكحمل صامت امام الذين يجزّونه ولم يفتح فاه".
وفي صلاة الغروب بنهاية الساعات يُطاف بالإبيتافيون ( بالعامة النعش) ليضع في صحن الكنيسة ويُكرّم في الجناز. وخدمة الجناز هي خدمة صلاة السحر للسبت العظيم. ننشد للمسيح المدفون ونحن في ذهول وفي انتظار القيامة. "أنزلوك القبر / يا يسوع الحياة / فمراتب الملائكة انذهلت / كلها ومجدت تنازلك /". فتتوالى التقاريظ نعظم فيها المسيح معطي الحياة. ونتوغل في تمجيد من كان خلاصنا المحيي وربيعنا الحلو ونشرف على السبت العظيم " الذي فيه استراح ابن الله الوحيد من كل أعماله لما سبت بالجسد بواسطة سر التدبير المكمل بالموت".
اما يوم السبت العظيم ففي أواخر الصبيحة نقيم القداس الإلهي الذي كان في ما مضى قداس العيد. المسيح في سكون القبر وناهد الى القيامة. ونلتمس نهوضه من القبر:" قم يا الله واحكم في الأرض". نريدها فاعلة في نفوسنا.
شرط رؤيتنا لها ان " يصمت كل جسد بشري.... ولا يفكر في نفسه فكرا ارضيا البتة". في تلك الليلة العظيمة كنا نُعَمّد الموعوظين اي أولئك الوثنيين الذين آمنوا وتعلموا الإيمان فان المعمودية كانت لهم قيامة من بين الأموات.
وإذا تدرجنا من يوم الى يوم بتكثيف التوبات ولمسنا محبة الله لنا تتجلّى بآلام المخلص نكون متأهبين لاستقبال الفصح .
أنا القيامة والحياة
معنى هذا الكلام قد أعطاه يسوع سابقا في قوله: " فكما ان الآب يقيم الموتى ويحييهم فكذلك الابن يحيي من يشاء.... من سمع كلامي وآمن بمن أرسلني فله الحياة الأبدية ولا يَمْثُل لدى القضاء بل انتقل من الموت الى الحياة" (يوحنا 5). يسوع لا يتحدث عن القيامة الأخيرة ولكن عن تلك التي تحدث في المؤمن هنا. انه يعلم وجود قيامتين. القيامة الأولي هي حياتنا في الإيمان به, والقيامة الأخيرة تتم في الجسد كما يذكرها الإنجيل وبولس, ويؤكدها يوحنا بقوله:" ان الذين عملوا الصالحات يقومون للحياة والذين عملوا السئيات الى قيامة للدينونة".
هذه القيامة الحالية تكشفها الرسالة الى أهل رومية وتقول انها تحدث في المعمودية: "دُفنّا معه في موته بالمعمودية لنحيا نحن ايضا حياة جديدة". الموت الروحي مغلوب هنا بحياة المسيح فينا. كذلك في الرسالة الى أهل كولوسي: "دُفنتم معه في المعمودية وبها ايضا أُقمتم معه".
معنى كل هذا الكلام اننا لا ننتظر فقط القيامة في اليوم الأخير لنحيا. نحن أحياء مع المسيح وفي المسيح. وهذا ما عبّر عنه السيد في إنجيل متى لما قال: "انتم نور العالم" اذ النور هو الحياة. ان كل الأسبوع المبارك الذي ندشنه اليوم بالشعانين ويصل الى ذروته في الفصح إنما نعيشه كأناس أحياء. ان آلام السيد نتقبلها لا مطرحا للحزن بل مطرح للفرح. نحن لا ننتظر الأعياد لننتعش قليلا. كل يوم عندنا عيد لأن المسيح يجددنا كل يوم.
قد نحس اننا على شيء من الموت بسبب المرض واختلال الأمن وشيوع الفقر او العوز الشديد. هذا كله لا يدمر المؤمن الحق. لا يموت المؤمن الى الأبد. يعبر الموت عبورا. ولكن حياة يسوع التي فيه بسبب الإيمان والتطهر الذي يعطيه الإيمان تجعله مولودا من جديد، مولودا من فوق. " الذي يشرب من الماء الذي أعطيه أنا إياه فلن يعطش الى الأبد بل الماء الذي أعطيه إياه يصير فيه عين ماء يتفجر حياة أبدية". والحياة الأبدية تبدأ هنا." الحياة الأبدية هي ان يعرفوك أنت الإله الحقيقي والذي أرسلته يسوع المسيح " ان يعرفوك الآن وهنا على الأرض تلك هي حياتهم يتجاوزون بها كل محنة.
القيامة ليست شيئا نعطاه من خارج كياننا. انها في شخصيتنا المسيحية ان كانت هذه ثمرة حبنا ليسوع. القيامة, من هذا المنظار, ليست حدثا يدخل علينا. ان شخص المسيح يسكن فينا ويجعلنا فيه.
في صلاة المساء أمس قرأنا في نبوءة صفنيا: "ان في وسطِكِ (يا اورشليم)
الرب إلهك الجبار، ويسّر بك فرحا، وهو يسكن في محبته" . الرب يسوع صار
جبارا بتواضعه اذ يركب على أتان وجحش ابن أتان، وسيكمل تواضعه في الموت،
هكذا يسكن الى الأبد في محبته لنا ويسكن قلوبنا .
خشيتي عليك وعلى نفسي ان نتهلل للأناشيد ، ونبقى عندها وترددها على
مسامعنا مسجَّلة ولا نترجمها حياة جديدة في قلوب الآخرين. لم يكن همّ يسوع
ان يدخل الى اورشليم ليُصلب فيها الا ليحيا في قلب الانسان، كل انسان، هذا
القلب هو كنيسته .
أحد الشعانين
انتهي الصوم الأربعيني منذ يومين. مع سبت لعازر أمس دخلت أبعاد أخرى إلى جهادنا. انتقلنا من النسك والتعليم إلى سر الشكر, إلى القربان في انتظار العريس الإلهي. نزداد استعدادا للقاء العريس ("ها الخَتَن يأتي في نصف الليل...", يجب تعريبها "ها العريس يأتي"). ويتم العرس سريا بموت الرب وقيامته لأن الموت هو اتحاد المخلّص بالكنيسة - العروس. طقسيا منذ يوم الجمعة الماضية لا يبقى ذكر للقديسين كما يخفف ذكر والدة الإله لنبقى متركزين على الآلام. يبقى شيء من ذكر التوبة في الأسبوع العظيم حتى يوم الأربعاء ولكن منذ الخميس العظيم ننخطف إلى سر المسيح كليا.
في آخر الصيام نجمع كل القوى التي كانت مبعثرة فينا. نكون قد وحّدنا الكيان بالصوم والتطهّر ونذهب للقاء المسيح حاملين صليبه ونمجّده بسعف الفضائل. "اليوم نعمة الروح القدس جَمَعَتْنا, وكلّنا نرفع صليبك ونقول: مبارك الآتي باسم الرب, أُوصَنّا في الأعالي".
منذ اليوم ننتظر الصليب, هذا الذي من أجل اقتباله دخل يسوع إلى أورشليم. فرح الشعانين لا يختلف عن فرحنا بما سنرسمه بين الخميس العظيم وسبت النور. كذلك في صلوات الخَتَن الثلاث نرتجي العرس الذي سيعيشه المسيح معنا يوم الجمعة العظيمة بانتظار العرس المكمَّل في الملكوت.
غير أن أحد الشعانين بالذات مع كونه بداءة للأسبوع العظيم متّسم بذكرى إقامة اليعازر. في اليومين ننشد: أيها المسيح الإله لمّا أقمتَ لعازر من بين الأموات قبل آلامك..." سبت لعازر تأكيد للقيامة العامة في اليوم الأخير. غير أن هذه لا يمكن أن تصير إلا لكون السيد قد قام.
ينتهي الصوم وغاية الفضائل التي نكون قد استقيناها فيه تصب في المسيح الآتي وبه ينكسر الزمان الرديء ويبدأ زمان الأبدية ونبدأ حياتنا الجديدة في الثلاثية الفصحية (من الخميس إلى السبت العظيم) التي تؤلف مع الفصح حقيقة واحدة.
في الدارج يقولون عندنا إن الشعانين عيد الأطفال كأن القصة في مظاهر البهجة, في ثياب الأطفال. غير أن الكتاب لا يقول إن الأولاد وحدهم استقبلوه. متى يذكر إن الصبيان كانوا يصيحون في الهيكل ويقولون "أوُصَنّا لابن داود...". إنه تحجيم للعيد أن نجعله عيدا للصغار أو كأننا نحن البالغين نستقيل من استقبال المعلّم. أيضا فولكلور الأطفال يغزونا كما يغزونا في الميلاد.
تحية الشعب للسيد كانت "هوشَعْنا" أي يا الله أعطِ السلام (مأخوذة من المزامير). لانعدام بعض الحروف العربية في الأبجدية اليونانية صارت في العهد الجديد أُوصَنّا. ونلفظها هكذا في القداس نقلا عن اليونانية. كذلك "مبارك الأتي باسم الرب" مأخوذة من المزامير. الشعب أضاف "ملك إسرائيل" أي ماسيّا المرتجى في شعب اليهود منقذا سياسيا. نحن إذا قلناها اليوم نفهم إنه ليس كذلك, إنه المخلّص. أما قول الإنجيل: "لا تخافي يا ابنةَ صهيون" فمأخوذة من زكريا النبي (9: 9). هذا الدخول المتواضع كان صورة عن دخول السيد إلى ملكوته وإلى القلوب بتواضع الموت. ليس لنا طريق آخر.
دخول السيد الى اورشليم يعني قبوله الصلب، كان هو تنبأ غير مرة عن آلامه
وقيامته. فبعد ان أنهض صديقه لعازر من الموت، دخل الى المدينة المقدسة وفي
هذا حقق نبوءة زكريا القديمة: "ابتهجي جدا يا بنت صهيون واهتفي يا بنت
اورشليم هوذا ملكك يأتيك صديقا مخلِّصا وديعا راكبا على أتان وجحش ابن
أتان" . بوداعته يعلّم يسوع العالم الوداعة، هذه صورته الى الأبد، وبها
يحكم القلوب0 الترتيلة بدل ان تقول " ابتهجي يا بنت صهيون" تقول: " ابتهجي
يا بيعة الله"، ويأخذ الترتيل من الإنجيل هتاف "أوصانا" ("هوشعنا" في لفظها
الأصلي، وتعني خلصنا يا الله) . نحن في بداءة الخلاص الذي سيكتمل يوم
الجمعة العظيم ويُعلَن عند فجر القيامة .
يدخل يسوع الى اورشليم ليذهب الى الموت، يذهب إليه في التواضع راكبا جحشا،
الدابة التي يمتطيها الفقراء والمستضعَفون. من استطاع منا ان ينكسر،
يستقبله روحيا مع الأطفال ، "مبارك الآتي باسم الرب" اجعلها نداء من قلبك
إليه، انه الى القلوب يأتي وفيها يستقر.
أيا كان إهمالنا في الصوم ندخل الآن اسبوع الفرح العظيم الذي يكلله فجر القيامة. اليوم يدخل ابن الانسان اورشليم متواضعا ويعلنه الأطفال ومن له قلب طفل ملكا على الإنسانية. يدخل لكونه ارتضى الموت بسبب حبه للبشر. وبدءا من مساء اليوم على مدى ثلاث أمسيات نعلنه ختنا اي عريسًا للنفس، لكل نفس قررت ان تطيعه.
سيأخذنا الإنشاد وتأخذنا التلاوات المقدسة لنقرب من يسوع اكثر فأكثر عسى يدخلنا الى قلبه ويعطف علينا ويغفر. والتحذير أمامنا هو: " انظري يا نفسي ألاّ تستغرقي في النوم". لقد نمنا في الخطيئة نوما كثيرا. المجال أمامنا ان نفيق من هذا السبات الطويل. سوف ينزل علينا النور ان استمعنا الى الأناجيل والمزامير وما اليها وأسلمنا لكلمة الله بلا تردد. هذا هو الوقت الذي نذهب فيه الى الكاهن لنكبّ امام المسيح كل خطايانا حتى يحل الخميس العظيم لنأكل الفصح. انه جسد الرب الذي مَن أكل منه يحيا الى الأبد.
سنمشي وراء يسوع خطوة خطوة ونرفض الهوة التي أقمناها بيننا وبينه حتى نسمع الأناجيل مساء الخميس ونتشبع من خطبة الوداع التي هي الإنجيل الأول ثم نصغي الى الأناجيل الباقية ونتقبل الترتيلة: " اليوم عُلّق على خشبة". نقول "اليوم" لنعني ان موت المعلم الذي وقع قبل الفي سنة إنما هو حي فينا الآن وان الخلاص الذي أعطاه نهائيا آنذاك إنما نتقبله الآن. نحن مجددا في استلام يسوع ولن نقبّله قبلة غاشة ولكنا نعطيه قبلة الحبيب، والحبيب لا يخون.
ولما كان يوم الجمعة عطلة رسمية وعطلة لمعظم الناس سنذهب الى الكنيسة صباحا للمشاركة في الساعات الملكوتية وصلاة الغروب فإن هذه الخدمة على دسم روحي يجعلها قمة في هذا الأسبوع المقدس مليئة بالتعليم بالمزامير المختارة بصورة بديعة وببعض أناجيل الآلام ايضا حتى نطوف بأيقونة المسيح الدفين (الإبيتافيون) بانتظار تقاريظ الجناز بدءا بـ "يا يسوع الحياة في قبر وضعت" ونقترب من هذه الصورة في آخر الخدمة ونقبل وجه يسوع وقدميه لنقول له اننا اتخذناه نهائيا مخلصا لنا.
وفي كل هذا نعرف ان الحياة الإلهية دخلت به مملكة الموت وانها أبطلت الموت، لنقول له انه غالب كل شكل من أشكال الموت فينا وقد علمنا اننا "دفنا معه لنسير الى موته حتى كما قام يسوع من بين الأموات نسلك نحن ايضا في حياة جديدة". في هذه الخدمة العظيمة لا نبكي عليه. فإن المسيح "سبَتَ بالجسد بواسطة سر التدبير الصائر بالموت ثم عَاد بواسطة القيامة الى ما كان ومنحنا حياة أبدية".
ثم يحل السبت العظيم الذي كنا نقيمه قديما في الليل وفيه يعمّد " المستنيرون" الذين علمتهم الكنيسة ليتقبلوا المعمودية عند غروب الفصح في بيت المعمودية القائم خارج الكنيسة، وبعد المعمودية يدخلون الكنيسة فنستقبلهم بقول بولس: " انتم الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح لبستم". وفيما هم كانوا يقتبلون العماد نقرأ من العهد القديم ما يتعلق بالعماد. اذ ذاك نهتف للسيد المبارك: " قم يا الله واحكم في الأرض".
كلنا شوق الى القيامة التي عبّرت عن الحياة الجديدة. وبعد الطلبات التي
تلي الإنجيل نقول: " ليصمت كل جسد بشري" لأن الكلام المباح الآن هو ان
المسيح قام من بين الأموات. وهذه هي الكلمة الوحيدة المخلّصة للعالم. ولن
يزيد عليها بشري كلمة واحدة.
الأسبوع العظيم
ثم تأتيك الأمسيات الثلاث الساطعة اعني ليالي الخَتَن (وتعني بالعربية
العريس)، السيد يدعونا الى ان نسهر معا ولا ننام نومة الخطيئة، الأيقونة
تمثله مهانا وأحيانا واقفا في القبر لتوحي بأنه يجعل النفس عروسا له بالموت
الذي هو قمة حبه ( ليس من حب اعظم من هذا ان يبذل الانسان نفسه عن أحبائه)
. وتتوالى في هذه الليالي فصول الإنجيل التي أوردها متى وقالها يسوع بعد ان
دخل اورشليم .
قمة ثانية قداس الخميس العظيم الذي يمتاز بأنه ذكرى للعشاء السري، وفي الليل كل روايات الآلام كما وردت في الأناجيل الأربعة. وقد ارادت الكنيسة على رغم التكرار واختلاف التفاصيل ان نصغي الى وصف الآلام كما حصلت ، والذروة هنا الإنجيل الاول وهو انجيل العهد المأخوذ من يوحنا وهو أغزر قراءة عن العلاقات التي تربط بين الآب والابن والروح القدس، وهو خطاب الوداع الذي ألقاه يسوع على تلاميذه في طريقه الى بستان الزيتون .
غير ان الخدمة التي تحتوي على جوهر الآلام هي خدمة الساعات الملوكية صباح الجمعة اذ تتلى المزامير والنبوءات المتعلقة بالفداء الى جانب بعض الروايات الإنجيلية التي تتكرر فيها بعض من الفصول الإنجيلية التي تليت مساء الخميس . وفي نهاية صلاة الغروب التي تختم الخدم نطوف بالإبيتافيون المسمى النعش عندنا، وهو كناية عن ايقونة المسيح المدفون، فتوضع في وسط الكنيسة بانتظار خدمة جناز المسيح ، وهي كناية عن سَحَر السبت العظيم وفيها التراتيل المعروفة بالتقاريظ وهي مؤلفة من ثلاثة اجزاء تخاطب المسيح الدفين والمرتقبة قيامته. وانتظار القيامة يضفي على هذه الخدمة طابع الفرح ، فإنها كانت تقام صباح السبت العظيم. خدمة الآلام هي في الحقيقة الصلاة التي تقام صباح الجمعة في الترتيب الحالي .
واخيرا يأتي سبت النور الذي كان يقام قديما مساء السبت وتجري فيه معمودية الموعوظين الذين آمنوا بالمسيح واعددناهم للمعمودية، فكان يُذهب بهم الى بيت المعمودية القائم عند غربي الكنيسة، وبعد ارتدائهم الثوب الأبيض كانوا يدخلون حاملين الشموع ونستقبلهم بكلام بولس: "انتم الذين بالمسيح اعتمدتم، المسيح لبستم". في اثناء عمادهم كان المؤمنون يتلون من النبوءات ما يتعلق بالعماد والقيامة، ثم تأتي الرسالة لتقول: "ان كل من اصطبغ في المسيح يسوع اصطبغ في موته فدُفنّا معه في المعمودية للموت حتى اننا كما أُقيم المسيح من بين الأموات بمجد الآب كذلك نسلك نحن في جدة الحياة" . هذه دعوة لنا نحن ايضا لنعرف ان الفصح اذا تساقط علينا ننال به الحياة الجديدة، ثم يتلى من متى روايته عن القيامة .
هذا هو في الحقيقة أول قداس للعيد، وكان ينتهي عند الفجر، ثم يقام قداس
آخر صباح العيد.
الأسبوع العظيم
أسلموه الى الموت حسدا غير عارفين ان هذا الموت يؤول الى خلاصهم اذا قبلوا يسوع مخلصا لهم، ولما أماتوه لم تبق لهم رسالة ولم يبق لهم معنى وصار المؤمنون بيسوع شعب الله .
انه لقد افتدانا بدمه وجعلنا "أمة مقدسة" وخلائق جديدة فنتجدد بالمعمودية ونغتذي بالقرابين الإلهية والغفران والمحبة، وكشف لنا قوة حياتنا الجديدة بالعشاء السري لما اخذ خبزا وباركه وكسره وقال لنا: "خذوا كلوا هذا هو جسدي" ثم اخذ الكاس وباركها وقال لنا: "اشربوا منه كلكم هذا هو دمي". وبعد حلول الروح القدس على التلاميذ أخذنا نقيم القداس الإلهي لكي نحيا بجسد المسيح ودمه الكريمين اي نحيا بذات المسيح ونستمد حياتنا من حياته .
وأدركنا بموت السيد انه هو معشوقنا وان الكنيسة ليست سوى هذه الجماعة التي تعرف انها محبوبة وتعيش بهذا الحب. اجل هناك عبادات وتنظيم كنسي وقوانين ولكن هذه كلها لباس للمسيح وتجليات له وهي ليست قائمة الا لكونها نفحات منه .
وصرنا نعرف ان "الختن يأتي في نصف الليل" والختن هو العريس ويأتينا عريسا للنفس المؤمنة في ظلام خطيئتها ويمحو الخطيئة بدمه ونقترن به بلا انقطاع هذا اذا لم نقم بدور يهوذا خائنين او بدور بطرس جاحدين ولكنا نقوم بدور لص اليمين القائل: "اذكرني يا رب متى أتيت في ملكوتك". اذكرني اي لا تنسني وانا خروف من خرافك، اذكرني باسمي حبيبا لديك لأحيا بهذا الحب الذي تدفقه علي .
هكذا نقف امام الصليب ناظرين الى المصلوب وحده غير متلهين بشهواتنا وأطماعنا وأحقادنا اذ لا شيء فيها يساوي المحبة التي انسكبت علينا، ونكافح ضعفاتنا لأنها تعطل رؤيتنا ليسوع واتحادنا به. فإذا أدركنا اننا نحيا برؤيته إيانا ورؤيتنا إياه نصير في النور الذي يغسل نفوسنا من كل دنس وتملانا من حضرة المسيح فيكون الكل في كل كياننا بحيث أمكننا ان نقول مع الرسول: " لست أنا احيا بل المسيح يحيا فيّ" .
وحتى نتدرب على هذه المعاني لا بد لنا ان نشترك بالخدم التي تقام في الأسبوع العظيم فلا نبتعد عنها الا اذا كنا في أشغالنا، فالصلوات هذه تحوي كل معاني الخلاص ونصل بها الى هدوء النفس وسلامها، والطريقة المثلى لتنقيتنا ان نقتبل المناولة الإلهية في كل قداس في هذا الأسبوع الطيب حتى لا تبقى هوة بيننا وبين المسيح .
والقرابين الإلهية هي فصحنا في الآحاد والأعياد لأنها قيامتنا حسب قول السيد لمرتا: "انا القيامة والحياة". فاذا كان العيد ذكرى لنهوض السيد من بين الأموات ففي المناولة الإلهية تتحقق قيامة النفس. نحن قوم فصحيون نستبق القيامة العامة بتطهر القلب ورجوعه الى الآب والابن في الروح القدس .
في اليوم الثاني دخل يسوع الى اورشليم "راكبا على أتان وجحش ابن أتان". هي دابة الفقراء. يدشن المسيح موته بشكل فاتح متواضع اي انه يدخل قلوب الناس وطراوتهم. يستقبله الأطفال بالدرجة الأولى. يركب بهيمة " ليحل بهيمية الأمم".
عشية ذلك اليوم والاثنين والثلاثاء نرتل "ها الخَتَن (وهي كلمة سريانية تعني العريس) في نصف الليل". يدخل كل نفس في كثافة الظلام لأنه نورها. وكل نفس مؤمنة به تصير عروسا له. صرنا في مرتبة الحب. وتأكيدا لذلك نرتل ايضا: "انني اشاهد خِدْرَكَ مزينا يا مخلّصي". والخدر هو الغرفة الزوجية اي ان الكنيسة تدعونا الى العرس، اسبوع آلام وليس اسبوع حزن. ذلك ان اوجاع المخلّص تعطينا فرح الخلاص. ومن جديد نستوحي إنجيل مرقس ونقول: "قلتَ لهم (اي لتلاميذك) ألا يماثلوا الأمم بالسيادة على من هم دونهم، فالاول فيكم ليكن خادما للكل والرئيس كالمرؤوس والمتقدم كالأخير". ايضا هنا التواضع حتى آخر طريقه اي الموت.
لا نعرف على وجه الضبط كيف قضى المعلم هذه الأيام الأولى في اورشليم، ولكنا نعرف الأقوال التي علّمها في الهيكل واهمها ما يتعلق بالدينونة. انتبهوا وعوا فصليبي يدين العالم، فلا تقعوا تحت الدينونة بمشاركتكم الذين سيقتلوني. أبيدوا شهواتكم المؤذية لئلا أحاكمكم في اليوم الأخير. احبوا موتي الإنقاذي لئلا تموتوا بمعاصيكم.
بعد هذا، مساء الخميس العظيم، سيقيم العشاء السري مع تلاميذه. " شهوةً اشتهيتُ ان آكل هذا الفصح معكم... ثم تناول كأسا وشكر وقال : خذوا فاقتسموا بينكم فأني أقول لكم اني لا اشرب من عصير الكرمة حتى يأتي ملكوت الله. واخذ خبزا وشكر وأعطاهم قائلا هذا هو جسدي الذي يُبذل لأجلكم... وكذلك الكأس من بعد العشاء قائلا هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي...". ثم خرج ومضى على عادته الى جبل الزيتون وتبعه تلاميذه.
هذا هو القداس الإلهي عندنا. "هذا هو جسدي" اي هذا هو انا، بمعنى أنكم اذا تناولتم القربان في كل ذبيحة تأكلونني اي تجعلون ذاتي في ذواتكم. والدم الذي تشربونه - وصورته الخمر- إنما هو الحياة (في فلسفة ذلك العصر الدم هو الحياة). فكلما اجتمعتم تتناولون ذاتي وحياتي. القصة ليست اكل لحم وامتصاص دم بالمعنى البيولوجي. الكل فيكم هو أنا لأني انا القيامة والحياة كما قلت لمرتا قبل أيام معدودات. "من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وانا فيه". فبالدم يتحد العريس والعروس. وما انا معطيكموه الآن صورة إنما سيتم غدا على الصليب اذا طعن اليهود جسدي وأهرقوا دمي. اذ ذاك تنطلق حياتي من هذا الصليب عليكم وعلى العالم. " ثقوا اني غلبت العالم". سيقول هذا بعد العشاء الأخير فيما كانوا نازلين الى وادي قدرون ليبلغوا جبل الزيتون حيث يسلم الخائن المعلم الى ايدي الخطأة.
"انتم فيّ وانا فيكم". عند ذاك آخذكم اليّ. انتم تحسبون اني صرت اليكم، وهذا ما أكدته قبل ذلك في الحديث عن خبز الحياة كما رواه يوحنا في إنجيله الرابع. ولكن ما لا تعرفونه أنكم لحظة تأكلون جسدي وتشربون دمي، انا ايضا آكلكم واشربكم وأتناولكم لكي تكونوا معي على عرشي. فاذا نظرتم اليّ مصلوبا تستوون على العرش وتقومون من موتكم الروحي حتى نهاية هذا الوجود الأرضي، ثم تستوون على عرشي في السموات عن يمين الآب اي تكونون على كرامة الآب. انتم في الحب تتألهون وتصيرون ملوكا بملوكية الآب، وهذا هو فصحكم الأبدي.
من موقع "شبكة القديس سيرافيم ساروف" الأرثوذكسية |
|||||||||||||||