كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس- بيرزيت

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات وخطابات

 

الصفحة الرئيسية

 

HOME

كَمَا يَشْتَاقُ الأيلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسي إِلَيْكَ يَا اللهُ. (مزمور 42: 1)

 

المطران جورج خضر
 

في أحد الشعانين

 
 هذا يدخل يسوع الى أورشليم بالوداعة والتواضع ليكمل خلاصنا "ويتكلم بالسلام للأمم" ويبسط سلطانه بالمحبة على العالم ويقيم معنا وفينا الى الأبد. يجلس على جحش ليحل بهيمية الأمم التي كانت عقيمة لأنها لم تعرف محبته.

 ونشدّ أنفسنا إليه كما لم تكن مشدودة لعلنا بأنه يحررنا من وطأة الخطيئة ووطأة الخوف. اليوم ندشن أسبوع الآلام المقدسة فتقيم الأحد مساء والاثنين والثلاثاء صلاة الختن اي صلاة المسيح العريس الذي سيجعل كل نفس تائبة عروس له. ها نحن مرافقوه الى اورشليم لنتقبل الحياة من موته. سوف نراه مسمرا على الصليب ونتبعه الى القبر حتى نشاهده قائما من بين الأموات لننال منه فصحا طيبا.

 

 سنحشر أنفسنا في الصلوات لتتضح رؤيتنا لسره وهي تبيد خطايانا. في هذه العبادات قراآت من العهد القديم بما في ذلك المزامير تتحدث كلها عن الحَمَل المذبوح من أجلنا ورسائل وأناجيل تتكلم عن الخلاص الذي نلناه بتطوعه للموت. هذه وتلك تُسرَد في إطار صلوات وترانيم تدفعنا الى التمسك به حياة لنا. فاذ ا قرأنا مثلا عن آلام أيوب وصبره نفهم انه كان صورة عن المخلص , ونتنبه لئلا نقع في الغفلة. "ها الختن يأتي في نصف الليل " ليزيل الظلام عن النفس ويطلقها في التسبيح حتى تختلي معه في ذلك العرس الروحي الذي يجعلها تنسى ما كانت تعشقه قديما: "انني أشاهد خدرك مزينا يا مخلصي " والخدر في اللغة الغرفة  الزوجية  والفكرة ان النفس بعد ان كانت مخطوبة للمسيح ترجو لقاء الاتحاد معه والاتحاد بيننا وبين المخلص تم على الصليب. ولكن الإنسان المدنس لا يدخل. يحتاج الى لباس العرس الذي هو التوبة.

 

  وندرك قمة من قمم التوبة  الثلاثاء مساء في الترنيمة الشهيرة : " يا رب ان المرأة التي سقطت في خطايا كثيرة". أم الأربعاء مساء فنقيم صلاة الزيت المقدس التي تريدنا الكنيسة ان نتممها للمرضى في بيوتهم في صيغتها للمرضى في بيوتهم في صيغتها الطويلة  او صيغته قصيرة. ولست اعلم لماذا ومتى سقط سر مسحة الزيت هذا من منازلنا في بيوتهم في صيغتها الطويلة او صيغة قصيرة. ولست اعلم لماذا ومتى سقط سر مسحة الزيت هذا من منازلنا في الكرسي الأنطاكي ولا شيء يمنع اي كاهن من تجديد ذلك بنفسه لما فيه من نفع للمريض.وهكذا ينتهي النصف الأول من أسبوع الآلام.

 

  الخميس صباحا ذكرى العشاء السري. وفي القديم كان يقام مساء لانه يتم في سياق صلاة الغروب ولعلّه قُدِّم الى الصباح لان المؤمنين يؤثرون سماع أناجيل الآلام مساء. ونتلو, اذ ذاك, كل روايات الآلام كما وردت في الأناجيل الأربعة ومستهلها الخطاب الوداعي كما ورد في بشارة يوحنا وهو ذروة من ذرى اللاهوت اليوحنائي. والمؤمنون متعلقون بالطواف بالصليب الذي يجري بعد الانجيل الخامس :" اليوم عُلِق على خشبة". وهذا الطواف ظهر في القرن الماضي في الكرسي الأنطاكي وعمَّ الكنائس اليونانية.

 

  غير ان الاسمتاع بالمعاني اللاهوتية للآلام هو في خدمة الساعات الملوكية التي تتلى في صبحيه الجمعة العظيمة. المزامير تنصّب مباشرة بما ذاقه المخلص من أوجاع :" الهي, الهي لماذا تركتني". والنبؤات تطل مباشرة على سر الفداء:" وزنوا أجرتي ثلاثين من الفضة ( زخريا النبي) او "كنت أنا كخروف بريء من الشر يُساق الى الذبحْ" (ارميا) حتى نبلغ القمة مع اشعياء:"لا صورة له ولا بهاء فننظر اليه ولا منظر فنشتهيه...انه قد أخذ عاهاتنا وحمل أوجاعنا.... جُرح لأجل معاصينا وتألم لأجل آثامنا.... كشاة سيق الى الذبح وكحمل صامت امام الذين يجزّونه ولم يفتح فاه".

 

  وفي صلاة الغروب بنهاية الساعات يُطاف بالإبيتافيون ( بالعامة النعش) ليضع في صحن الكنيسة ويُكرّم في الجناز. وخدمة الجناز هي خدمة صلاة السحر للسبت العظيم. ننشد للمسيح المدفون ونحن في ذهول وفي انتظار القيامة. "أنزلوك القبر / يا يسوع الحياة / فمراتب الملائكة انذهلت / كلها ومجدت تنازلك /". فتتوالى التقاريظ نعظم فيها المسيح معطي الحياة. ونتوغل في تمجيد من كان خلاصنا المحيي وربيعنا الحلو ونشرف على السبت العظيم " الذي فيه استراح ابن الله الوحيد من كل أعماله لما سبت بالجسد بواسطة سر التدبير المكمل بالموت".

 

  اما يوم السبت العظيم ففي أواخر الصبيحة نقيم القداس الإلهي الذي كان في ما مضى قداس العيد. المسيح في سكون القبر وناهد الى القيامة. ونلتمس نهوضه من القبر:" قم يا الله واحكم في الأرض". نريدها فاعلة في نفوسنا.

 

شرط رؤيتنا لها ان " يصمت كل جسد بشري.... ولا يفكر في نفسه فكرا ارضيا البتة". في تلك الليلة العظيمة كنا نُعَمّد الموعوظين اي أولئك الوثنيين الذين آمنوا وتعلموا الإيمان فان المعمودية كانت لهم قيامة من بين الأموات.

 

  وإذا تدرجنا من يوم الى يوم بتكثيف التوبات ولمسنا محبة الله لنا تتجلّى بآلام المخلص نكون متأهبين لاستقبال الفصح .

 

 
الختن

 
 توضيحا لأوقات الصلاة لا بد من ان تلاحظوا ان خدم أسبوع الآلام لا تقام في أوقاتها، فما سمي شعبيا صلاة الختن يقام في الـمساء . مثال على ذلك في مساء أحد الشعانين نقيم صلاة السَحَر لصباح الاثنين، وخدمتا الاثنين والثلاثاء مساء في حقيقتهما سحرية الثلاثاء والأربعاء ، اما سحرية الخميس العظيم فأهملتها معظم الكنائس ويعوض عنها بصلاة الزيت . "أناجيل الآلام" مساء الخميس هي في حقيقتها سحرية الجمعة، قداس سبت النور الذي يقام في النهار مع خدمة الغروب كان يقام مساءً، ولعله كان القداس الحقيقي للعيد .
 
 هذا كان على ما يبدو هكذا حتى يسهّل على الـمؤمنين التجمع عند الـمساء.
 
 ثم لا بد من الـملاحظة ايضا ان الخدم التي تنتهي يوم الأربعاء هي تهيئة للثلاثية العظيمة الـمؤلفة من الخميس والجمعة والسبت وفيها يتركز سر خلاصنا. كذلك أَلْفتُ الـمؤمنين إلى ان هناك عادة قبيحة ان يتناول الـمؤمنون باكرا صباح الخميس العظيم بلا حضور قداس اي انهم يتناولون من الذخيرة الـمعدَّة للمرضى ولا يشتركون في الذبيحة. لا مانع عندي ان يبدأ الكهنة بالقداس باكرا جدا ليساهم فيه الـمؤمنون الذين ينصرفون الى أعمالهم، او يرجئوا الخدمة الى ما بعد الظهر قبل أناجيل الآلام .
 
 ولا بد ايضا من التذكير ان يوم الجمعة العظيم لا يجوز فيه إطلاقا مناولة جسد الرب لأنه يوم لا تتم فيه الذبيحة، ولكن من الواضح ان الـمؤمن مدعو الى القرابين الـمقدسة كل يوم آخر في أسبوع الآلام وهنا أتمنى على الكهنة مهما قل عدد الـمؤمنين ان يقيموا القداس السابق تقديسه في الأيام الثلاثة الأولى، هذا غذاؤنا وحياتنا، ومن الواضح اننا نصوم بصورة اشد لكي تزداد لهفتنا الى الـمسيح. وقد اعتاد الأقوياء روحيا الا يمسّوا طعاما البتة يوم الجمعة العظيم ليلتصقوا بالعريس الإلهي وان يفطروا بما هو قليل بعد قداس سبت النور، وقد شاعت في بعض الأماكن ان يتناول الناس الزفر يوم السبت الـمبارك وهذا خطأ .
 
 كذلك تربَّينا على ألا نتخَم في العيد لئلا نتأذى صحيا، فالشراهة قبيحة في الفصح، انه وعي روحي لا استسلام فيه للشهوة .
 
 إنها أيام نقترب فيها مـن الـمسيح حتى الاتحاد، ولهذا اعتاد الـمؤمنون ان يتحدثوا عن صلاة الختن، والختن كلمة ورثناها من اللغة السريانية وتعني العريس. عبارة "ها الختن يأتي في نصف الليل" مأخوذة من مثَل العذارى في متى ولوقا؛ عشر عذارى أخذن مصابيحهن وخرجن للقاء العريس خمس منهن عاقلات وخمس جاهلات، الجاهلات أخذت الـمصابيح بلا زيت والعاقلات أخذن معهن زيتا وأبطأ العريس فنعسن جميعا ونمن ، وعند نصف الليل، علا الصياح، هوذا العريس، لذلك حذّرتنا الكنيسة في الطروبارية من ان نستغرق في النوم حتى نكون في لقاء الـمسيح، العاقلات دخلن وحدهن الى العرس .
 
 ويقوى معنى الاتحاد بالـمسيح بترتيل: " انني أشاهد خدرك مزينا يا مخلص" . والخدر هو الغرفة الزوجية وسؤال كل نفس مؤمنة للسيد ان يجعلها عروسا له، ثم نختم هكذا: "ولست امتلك لباسا للدخول اليه فأبهجْ حلة نفسي يا مانح النور وخلصني" .
 
 تردّنا الأنشودة الى مثَل وليمة الـملك الذي أقام عرسا لابنه فرأى الـملك "رجلا لم يكن له لباس العرس" . الـمنشد يقول بتواضعه لله: أنت أَلْقِ علي الحلة لأدخل، والحلة هي نور الـمسيح .

 

أنا القيامة والحياة

 
 يلفتنا ان طروبارية سبت لعازر هي إياها طروبارية أحد الشعانين:" أيها المسيح الإله لما أقمت لعازر من بين الأموات قبل آلامك...." وان خدمة الشعانين في السحَر والغروب يطغي عليها إحياء لعازر, وكأن أسبوع الآلام يجب فهمه في العمق مستندا الى إحياء لعازر من جهة والى قيامة السيد من جهة أخرى. ما هو الشيء المشترك بين القيامتين؟


 في حادثة إحياء صديق المسيح وقبل إحيائه بقليل تقول مرتا للسيد:" يا رب, لو كنت ههنا لما مات أخي". طمأنها يسوع :" سيقوم أخوك". فظنت انه يحدثها عن القيامة في اليوم الأخير. ولكن المعلم قال لها:" أنا القيامة والحياة". ثم يتابع : " من آمن بي, وان مات, فسيحيا, وكل من يحيا ويؤمن بي لن يموت الى الأبد".

 

  معنى هذا الكلام قد أعطاه يسوع سابقا في قوله: " فكما ان الآب يقيم الموتى ويحييهم فكذلك الابن يحيي من يشاء.... من سمع كلامي وآمن بمن أرسلني فله الحياة الأبدية ولا يَمْثُل لدى القضاء بل انتقل من الموت الى الحياة" (يوحنا 5). يسوع لا يتحدث عن القيامة الأخيرة ولكن عن تلك التي تحدث في المؤمن هنا. انه يعلم وجود قيامتين. القيامة الأولي هي حياتنا في الإيمان به, والقيامة الأخيرة تتم في الجسد كما يذكرها الإنجيل وبولس, ويؤكدها يوحنا بقوله:" ان الذين عملوا الصالحات يقومون للحياة والذين عملوا السئيات الى قيامة للدينونة".

 

  هذه القيامة الحالية تكشفها الرسالة الى أهل رومية وتقول انها تحدث في المعمودية: "دُفنّا معه في موته بالمعمودية لنحيا نحن ايضا حياة جديدة". الموت الروحي مغلوب هنا بحياة المسيح فينا. كذلك في الرسالة الى أهل كولوسي: "دُفنتم معه في المعمودية وبها ايضا أُقمتم معه".

 

  معنى كل هذا الكلام اننا لا ننتظر فقط القيامة في اليوم الأخير لنحيا. نحن أحياء مع المسيح وفي المسيح. وهذا ما عبّر عنه السيد في إنجيل متى لما قال: "انتم نور العالم" اذ  النور هو الحياة. ان كل الأسبوع المبارك الذي ندشنه اليوم بالشعانين ويصل الى ذروته في الفصح إنما نعيشه كأناس أحياء. ان آلام السيد نتقبلها لا مطرحا للحزن بل مطرح للفرح. نحن لا ننتظر الأعياد لننتعش قليلا. كل يوم عندنا عيد لأن المسيح يجددنا كل يوم.

 

 قد نحس اننا على شيء من الموت بسبب المرض واختلال الأمن وشيوع الفقر او العوز الشديد. هذا كله لا يدمر المؤمن الحق. لا يموت المؤمن الى الأبد. يعبر الموت عبورا. ولكن حياة يسوع التي فيه بسبب الإيمان والتطهر الذي يعطيه الإيمان تجعله مولودا من جديد، مولودا من فوق. " الذي يشرب من الماء الذي أعطيه أنا إياه فلن يعطش الى الأبد بل الماء الذي أعطيه إياه يصير فيه عين ماء يتفجر حياة أبدية". والحياة الأبدية تبدأ هنا." الحياة الأبدية هي ان يعرفوك أنت الإله الحقيقي والذي أرسلته يسوع المسيح " ان يعرفوك الآن وهنا على الأرض تلك هي حياتهم يتجاوزون بها كل محنة.

 

  القيامة ليست شيئا نعطاه من خارج كياننا. انها في شخصيتنا المسيحية ان كانت هذه ثمرة حبنا ليسوع. القيامة, من هذا المنظار, ليست حدثا يدخل علينا. ان شخص المسيح يسكن فينا ويجعلنا فيه.

 


الأسبوع العظيم المقدس

 
 هذا أسبوع اليقظة الأعمق، تختلي كل نفس فيه مع يسوع العريس، لذلك ننشد "ها هو الختن (اي العريس) يأتي في نصف الليل" . يدخل الى ظلام نفسك ليراها قادرة على تقبُّل النور الفصحي، لـهذا نتشدد كثيرا في الصوم كلٌّ كما يلهمه الرب ونُعْرِضُ عن كل ما يلهي النفس عن اقتبال حب يسوع لها ، في ثلاث ليالٍ نَذكره عريسا لئلا نفتش عن التصاقٍ بأمور دنيانا .
 
 يَحْسُنُ إضافة الى صلواتنا، ان نقرأ في بيوتنا ما تَيَسَرَ لنا من الأناجيل لنصير نحن ايضا كلمة لله حية، حتى اذا اكتملت توبتنا نتمكن من إِحياء العشاء السري صباح الخميس العظيم فنصبح جسد المسيح ؛ وعند المساء نتوغل معه في آلامه التي تقرأها علينا الكنيسة 12 قراءة بدءا من خطاب الوداع في يوحنا حيث يَعْذُبُ كلام السيد عن نفسه وعن الآب والروح المعَزّي والكنيسة الطالعة من جنبه المطعون .
 
 ما أتمناه على الجميع ان يشتركوا صباح الجمعـة العظيم في صلاة الساعات الملـوكية وصلاة الغروب التي تجري صباحا لأنها كثافة هذا الأسبوع وفيها تتلى المزامير والأناشيد والنبوءات والرسائل والأناجيل المتعلقة جميعا بالآلام ، هنا ندرك المجد الذي بدا على إنسانية المعلِّم وكان إعلانَ ظَفَره ، هي القمّة الأولى في هذا الموسم المبارك قبل ان ندرك ذروة الفصح . فإذا تطهَّرْنا بالمناولة الإلهية يوم خميس الأسرار، نكون قادرين على رؤية المجد المتجلي على وجه ابن الانسان .
 
 في هذه الخدمة نجدد ترتيلنا: "اليومَ عُلِّقَ على خشبه" لنوحي أنه لم يبقَ زمان يفصلنا عن موت السيد المبارك. اليوم يموت من أجلنا لنحيا بالإيمان به، اليوم نفهم في تأملنا إياه أَن صليبه قوة الله وحكمته، وأَن ما بدا لليهود ضعفا إنما هو قوة الله القادرة ان تنجينا من خطايانا. قلب تلاواتنا ما جاء عند اشعياء: "لا صورة له ولا بهاء، فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه، مزدرى ومتروك من الناس.. رجل أو جاع وعارف بالألم... لقد حمل هو آلامنا واحتمل أوجاعنا... طُعن بسبب معاصينا وسُحق بسبب آثامنا" .
 
 وفي نهاية الخدمة نحمل صورة السيد الدفين (الإِبيتافيون)، ونضعها في وسط الكنيسة، ونقبّلها، فنعود بعد الظهر لنرتل الدفن المبارك ونتطلع الى القيامة ونطوف بالأيقونة لنتأمل "سر التدبير الصائر بالموت" .
 
 وفي سبت النور - وخدمتُهُ الحالية كانت خدمةَ الفصح قديما-  كان الموعوظون الذين استناروا بمعرفته يتقبلون سر العماد الذي فيه تموت خطاياهم ويطلعون الى حياة جديدة .
 
 في هذا القداس لا نطيق ان يبقى السيد في القبر فنصرخ له: " قُمْ يا الله واحكُمْ في الأرض" ونطرح على المؤمنين أوراق الغار لنقول لهم ان فاديهم انتصر وانهم منتصرون به ولا خوف عليهم، حتى اذا نهض من بين الأموات بذات سلطانه يحيون ملوكا .

 


الى اورشليم

 

 في صلاة المساء أمس قرأنا في نبوءة صفنيا: "ان في وسطِكِ (يا اورشليم) الرب إلهك الجبار، ويسّر بك فرحا، وهو يسكن في محبته" . الرب يسوع صار جبارا بتواضعه اذ يركب على أتان وجحش ابن أتان، وسيكمل تواضعه في الموت، هكذا يسكن الى الأبد في محبته لنا ويسكن قلوبنا .
 
 يساكن المسيح شقاءنا، شقائي يختلف عن شقائك، يساكنك بلا دينونة. وإذا وعينا حضوره ندين نحن خطيئتنا، نكبها، هذا هو عرسنا معه. نخون العريس الإلهي كل يوم، ثم نذوق اننا لا نستطيع ان نأخذ عريسا آخر. فالجنس المتفلّت عريس كاذب ، كذلك الطعام والمال والمجد الباطل والانفعال وسوء الظن والنميمة، كل الخيانات أعراس كاذبة وتافهة .
 
 عندما تقول كأطفال اورشليم: مبارك الآتي باسم الرب، تعني او يجب ان تعني لك انك تستقبل السيد في قلبك، فهل أردت بذلك انك جعلته حقا ملكا عليك، أم تريده ان يجاور فيك كل هذه الأشياء الباطلة التي ذكرناها، هل ارتضيت ان تقول للمخلص: "مكانُكَ في القلب هو القلب كله"!
 
 هل تسأل المعلم كما سأله بيلاطس: "ما هو الحق"، أم تعرف انه هو الحق وان كل كلمة خرجت من فمه هي الحق وأن ليس لك من كلمات سواها وأن كل ما تتفوه به إن كنت واعظا او أديبا او محدثا هو لرد الناس الى كلمات يسوع لأنك لا تتعلم من سواه ؟ هل قررت ان تسكت فيك ما يوحي به لك الغضب والحقد واحتقار الصغير والفقير والغريب؟ هل فهمت ان الرب كان على الصليب مشوَّها وبلا منظر، وتاليا هل فهمت ان المعوق والقبيح والأمي والساذج ومن كان من غير جلدتك ولا دينك ولا مذهبك هم أحبة يسوع وان لهم كرامته وان عليك ان تعانقهم كما عانق هو ببسطه ذراعيه على الصليب كل مشوَّه في الأرض وكل معتوه وانه فتح هاتين الذراعين لينضم الى صدره كل خطأة الأرض حتى منتهى الدهر علهم اذا احسوا بدفء حبه يتوبون؟
 
 هل تكيد للناس كما كاد يهوذا؟ ها تعرف انك اذا حسدت فأبغضت تكون قاتلا لمن تحسد كما قتل اليهود المعلم حسدا؟ ألست تعلم انك اذا غضضت الطرف عن الفقير والمعزول والجانح، واذا استعليت على الزناة والسارقين والكاذبين تكون غضضت النظر عن السيد نفسه لأنه نظر هو اليهم بحنان عسى يعودون الى الآب بالرفق عينه الذي ينظر به الآب اليهم؟
 
 هل تعرف ان ما تركه المسيح لنا هو فقط هذا، وان كل صلاتك في الأسبوع العظيم لم تكن للقاء يسوع الا لتصير ايضا لقاء لأخوته الصغار؟ ان فرحك بالمخلّص الذي تغذيه فيك عباداتنا في هذه الأيام المباركة يبقى عقيما ان لم تجعل فرحك بالمساكين ترفع شأنهم رفعا حقيقيا ملتزما بالعطاء الكبير

 

 خشيتي عليك وعلى نفسي ان نتهلل للأناشيد ، ونبقى عندها وترددها على مسامعنا مسجَّلة ولا نترجمها حياة جديدة في قلوب الآخرين. لم يكن همّ يسوع ان يدخل الى اورشليم ليُصلب فيها الا ليحيا في قلب الانسان، كل انسان، هذا القلب هو كنيسته .
 
 

 

أحد الشعانين

 

انتهي الصوم الأربعيني منذ يومين. مع سبت لعازر أمس دخلت أبعاد أخرى إلى جهادنا. انتقلنا من النسك والتعليم إلى سر الشكر, إلى القربان في انتظار العريس الإلهي. نزداد استعدادا للقاء العريس ("ها الخَتَن يأتي في نصف الليل...", يجب تعريبها "ها العريس يأتي"). ويتم العرس سريا بموت الرب وقيامته لأن الموت هو اتحاد المخلّص بالكنيسة - العروس. طقسيا منذ يوم الجمعة الماضية لا يبقى ذكر للقديسين كما يخفف ذكر والدة الإله لنبقى متركزين على الآلام. يبقى شيء من ذكر التوبة في الأسبوع العظيم حتى يوم الأربعاء ولكن منذ الخميس العظيم ننخطف إلى سر المسيح كليا.

 

في آخر الصيام نجمع كل القوى التي كانت مبعثرة فينا. نكون قد وحّدنا الكيان بالصوم والتطهّر ونذهب للقاء المسيح حاملين صليبه ونمجّده بسعف الفضائل. "اليوم نعمة الروح القدس جَمَعَتْنا, وكلّنا نرفع صليبك ونقول: مبارك الآتي باسم الرب, أُوصَنّا في الأعالي".

 

منذ اليوم ننتظر الصليب, هذا الذي من أجل اقتباله دخل يسوع إلى أورشليم. فرح الشعانين لا يختلف عن فرحنا بما سنرسمه بين الخميس العظيم وسبت النور. كذلك في صلوات الخَتَن الثلاث نرتجي العرس الذي سيعيشه المسيح معنا يوم الجمعة العظيمة بانتظار العرس المكمَّل في الملكوت.

 

غير أن أحد الشعانين بالذات مع كونه بداءة للأسبوع العظيم متّسم بذكرى إقامة اليعازر. في اليومين ننشد: أيها المسيح الإله لمّا أقمتَ لعازر من بين الأموات قبل آلامك..." سبت لعازر تأكيد للقيامة العامة في اليوم الأخير. غير أن هذه لا يمكن أن تصير إلا لكون السيد قد قام.

 

ينتهي الصوم وغاية الفضائل التي نكون قد استقيناها فيه تصب في المسيح الآتي وبه ينكسر الزمان الرديء ويبدأ زمان الأبدية ونبدأ حياتنا الجديدة في الثلاثية الفصحية (من الخميس إلى السبت العظيم) التي تؤلف مع الفصح حقيقة واحدة.

 

في الدارج يقولون عندنا إن الشعانين عيد الأطفال كأن القصة في مظاهر البهجة, في ثياب الأطفال. غير أن الكتاب لا يقول إن الأولاد وحدهم استقبلوه. متى يذكر إن الصبيان كانوا يصيحون في الهيكل ويقولون "أوُصَنّا لابن داود...". إنه تحجيم للعيد أن نجعله عيدا للصغار أو كأننا نحن البالغين نستقيل من استقبال المعلّم. أيضا فولكلور الأطفال يغزونا كما يغزونا في الميلاد.

 

تحية الشعب للسيد كانت "هوشَعْنا" أي يا الله أعطِ السلام (مأخوذة من المزامير). لانعدام بعض الحروف العربية في الأبجدية اليونانية صارت في العهد الجديد أُوصَنّا. ونلفظها هكذا في القداس نقلا عن اليونانية. كذلك "مبارك الأتي باسم الرب" مأخوذة من المزامير. الشعب أضاف "ملك إسرائيل" أي ماسيّا المرتجى في شعب اليهود منقذا سياسيا. نحن إذا قلناها اليوم نفهم إنه ليس كذلك, إنه المخلّص. أما قول الإنجيل: "لا تخافي يا ابنةَ صهيون" فمأخوذة من زكريا النبي (9: 9). هذا الدخول المتواضع كان صورة عن دخول السيد إلى ملكوته وإلى القلوب بتواضع الموت. ليس لنا طريق آخر.

 

 


من الشعانين الى الصليب

 

 دخول السيد الى اورشليم يعني قبوله الصلب، كان هو تنبأ غير مرة عن آلامه وقيامته. فبعد ان أنهض صديقه لعازر من الموت، دخل الى المدينة المقدسة وفي هذا حقق نبوءة زكريا القديمة: "ابتهجي جدا يا بنت صهيون واهتفي يا بنت اورشليم هوذا ملكك يأتيك صديقا مخلِّصا وديعا راكبا على أتان وجحش ابن أتان" . بوداعته يعلّم يسوع العالم الوداعة، هذه صورته الى الأبد، وبها يحكم القلوب0 الترتيلة بدل ان تقول " ابتهجي يا بنت صهيون" تقول: " ابتهجي يا بيعة الله"، ويأخذ الترتيل من الإنجيل هتاف "أوصانا" ("هوشعنا" في لفظها الأصلي، وتعني خلصنا يا الله) . نحن في بداءة الخلاص الذي سيكتمل يوم الجمعة العظيم ويُعلَن عند فجر القيامة .
 
 ركوب يسوع الحيوان جعلت منه الكنيسة دعوة إلينا حتى نترك البهيمية التي كنا عليها لأن ترك رذائلنا وعيوبنا شرط لرؤيتنا الفصح . امام الأيام الآتية نقرأ في قداس العيد: " افرحوا في الرب كل حين، واقول ايضا افرحوا" . سبب ذلك ان الرب قريب ليس فقط لكوننا ننتظر اليوم الأخير ولكنه قريب في كل حين إن أردناه كذلك . ولهذا يحضنا بولس في الرسالة ان نفتكر بما هو حق او عفاف او عدل او طهارة ، فاستقبال اورشليم للسيد ينبغي ان نترجمه استقبالاً له في قلوبنا وإلا بطلَ العيدُ بالنسبة الينا .
 
 نحن على استعداد الترحيب بيسوع اذا قلنا له عشية أحد الشعانين وفي الليالي الثلاث الأولى من الأسبوع العظيم: "ها الخَتَن يأتي في نصف الليل". أخذنا لفظة " الختَن"، وهي سريانية وتعني العريس، والمراد به طبعا يسوع عريس الكنيسة وعريس كل نفس طائعة له . الأعياد تجري في القلب ، فالسيد يتزوّج كنيسته العروس على الصليب بالدم، وبه يتم كل زواج ، ويتزوج كل نفس مؤمنة مُحبة . هذا العرس بيننا وبين المعلّم يقتضي اليقظة الدائمة منا، وتزداد فكرة العرس وضوحا في هذه القطعة: " إنني أُشاهد خِدْركَ مزيَّنا يا مخلّصي، ولستُ أَمتلك لباسا للدخول إليه، فأَبهِجْ حلّةَ نفسي يا مانحَ النور وخلّصني" .
 
 الخِدْر هو الغرفة الزوجية. يسوع ينتظر فيها نفس المؤمن التي ارتضت ان تُسلم ذاتها إليه، ولكنها تحتاج الى لباس "رسمي"، لباس المدعوّين الى وليمة العرس التي ذُكرت في المثل الإنجيلي. وتلاحظ هذه النفس انها عارية، وتطلب الى يسوع أن يعطيها لباسا من عنده ، نردد هذه الكلمات ثلاث ليال، ونقيم الخِدَم الإلهية الأخرى مغتذين بجسد الرب ودمه حتى يحلّ قداس الخميس العظيم وهو ذكرى فريدة للعشاء السري . في القراءة الإنجيلية المركبة من روايتَي متى ويوحنا: " فيما هم يأكلون، اخذ يسوع الخبز وبارك وكسر واعطى تلاميذه، وقال خذوا كلوا هذا هو جسدي  واخذ الكأس وشكر وأعطاهم، وقال اشربوا منها كلكم لأن هذا هو دمي للعهد الجديد" .
 
 العرس هنا قبل العرس السماوي يتم في اتخاذنا جسد المسيح ودمه، الجسد في فلسفة الساميين التي بها يعبِّر يسوع هو مظهر الشخصية لأنهم ما كانوا يفرّقون بين النفس والجسد كاليونانيين فلما قال السيد: كلوا جسدي، أراد بلا ادنى ريب ان يقول : هذا شخصي كاملا تناولوه، أنا وانتم في انصهار الحب.
 
 والدم عند القدماء هو الحياة ، نحن لا نذبح المسيح ثانية ولا نأكل لحما ماديا ودما ماديا، لقد مات يسوع مرة واحدة ، ولكن عندما نتناول القرابين نستقبل في أنفسنا المسيح حقيقةً وليس خيالا، ونستمد حياة المسيح كلها اي فاعلية السيد التي ظهرت على الصليب وانتشرت في الكون بالقيامة .
 
 سنذوق الصلب حبا والقيامة إيمانا ونفرح .

 


 
الأسبوع العظيم

 

 يدخل يسوع الى اورشليم ليذهب الى الموت، يذهب إليه في التواضع راكبا جحشا، الدابة التي يمتطيها الفقراء والمستضعَفون. من استطاع منا ان ينكسر، يستقبله روحيا مع الأطفال ، "مبارك الآتي باسم الرب" اجعلها نداء من قلبك إليه، انه الى القلوب يأتي وفيها يستقر.
 
 هذا الأسبوع لما كان يسوع على الأرض كان عظيما لكل الإنسانية، أنت وحدك قادر ان تجعله عظيما لديك ان فهمت ان الخَتَن اعني العريس يأتيك في نصف الليل، يأتي الى قلبك اليقظ ، غير المستغرق في نوم الخطيئة. هل تريد نفسك ان يصير يسوع عريسها بحيث تُخْلِص له ولا تعرف زوجا لها آخر، أم تشتهي شيئا من المسيح وشيئا كثيرا من اشيائك أنت؟ كل الصلوات في هذه الخدم البهية إنما هي منسوجة لتجعلك راغبا في المسيح وحده .
 
 تتدرج يوما فيوما في اشتياقك السيد وتأخذ الآخرين إليه معك اذا سالمتهم وسمّيتهم أخوة، واذا أخذك المسيح إليه، اذا جعل نفسك مخطوبة له فدعها تنخطف إليه، اذ ذاك، تقول له: "اني أشاهد خِدْركَ مزينا، يا مخلصي" . والخدر هو الغرفة الزوجية، والمعنى ان يسوع هو اشتاق إليك ولكنه لا يستقبلك ما لم تكن تحبّه حقيقة، ولن تحبه اذا لم تتب ، ولذلك تدعوك الأنشودة ان تميت لأجله لذّات العمر، وهذا ما تفعله ان أدركت انه هو فرحك الكبير الذي يفوق كل لذة في دنياك .
 
 صحيح انك تسير مع الأخوة الى المخلص الآتي الينا في عبادات جميلة، ولكن دعه يأتي إليك شخصيا بحيث يهزك هزّا، فإذا أَسلمتَ له يلطف بك ويلاطفك ويضمك الى صدره .
 
 هذا الأسبوع العظيم المقدس لملم نفسك فيه كليا، خذ نفسك من الحواس ومن ضجة العالم، " ادخل الى مخدعك وأغلق بابك" اي ادخل الى صميم روحك وارفع عينيك الى يسوع .
 
 بعد الليالي الثلاث الأولى من الأسبوع العظيم، يأتيك العشاء السري، فتتكئ بالمناولة الإلهية على صدر المعلّم ويُسمعك كلمات حبه لك ، الخاصة بك فتفهم فقرك إليه، عندئذ يثبت فيك وأنت فيه، وإذ ذاك يكفيك وجهه .
 
 هذا يهيّئك للآلام الطاهرة، لرؤية الحب العظيم الذي تفجر من الابن على البشر جميعا فأقامهم حبه لهم من موتهم، هذا الذي يفتك بهم كل يوم، يقعون فينهضهم . لا يريدهم ان يتهشموا ، يأخذهم من رقدة العدم واحدا بتأني محبته، بعد هذا لا يسعهم ان يتركوه .
 
 واذا قام في اليوم الثالث يمكث معنا الى الأبد، بيته هو النور، يدخلنا هو الى النور، الكلمة الأخيرة قوله لأخت اليعازر: " أنا هو القيامة والحياة ". هي القيامة كل يوم من حال الى حال افضل، هذا قبل ان تحل القيامة الأخيرة . المهم الا نتصالح مع المهترئ فينا، مع الساقط، واذا كنا خائري القوى يمد يده الينا لينشلنا من الجب .

 

 
الأسبوع العظيم

 

 أيا كان إهمالنا في الصوم ندخل الآن اسبوع الفرح العظيم الذي يكلله فجر القيامة. اليوم يدخل ابن الانسان اورشليم متواضعا ويعلنه الأطفال ومن له قلب طفل ملكا على الإنسانية. يدخل لكونه ارتضى الموت بسبب حبه للبشر. وبدءا من مساء اليوم على مدى ثلاث أمسيات نعلنه ختنا اي عريسًا للنفس، لكل نفس قررت ان تطيعه.

 

 سيأخذنا الإنشاد وتأخذنا التلاوات المقدسة لنقرب من يسوع اكثر فأكثر عسى يدخلنا الى قلبه ويعطف علينا ويغفر. والتحذير أمامنا هو: " انظري يا نفسي ألاّ تستغرقي في النوم". لقد نمنا في الخطيئة نوما كثيرا. المجال أمامنا ان نفيق من هذا السبات الطويل. سوف ينزل علينا النور ان استمعنا الى الأناجيل والمزامير وما اليها وأسلمنا لكلمة الله بلا تردد. هذا هو الوقت الذي نذهب فيه الى الكاهن لنكبّ امام المسيح كل خطايانا حتى يحل الخميس العظيم لنأكل الفصح. انه جسد الرب الذي مَن أكل منه يحيا الى الأبد.

 

 سنمشي وراء يسوع خطوة خطوة ونرفض الهوة التي أقمناها بيننا وبينه حتى نسمع الأناجيل مساء الخميس ونتشبع من خطبة الوداع التي هي الإنجيل الأول ثم نصغي الى الأناجيل الباقية ونتقبل الترتيلة: " اليوم عُلّق على خشبة". نقول "اليوم" لنعني ان موت المعلم الذي وقع قبل الفي سنة إنما هو حي فينا الآن وان الخلاص الذي أعطاه نهائيا آنذاك إنما نتقبله الآن. نحن مجددا في استلام يسوع ولن نقبّله قبلة غاشة ولكنا نعطيه قبلة الحبيب، والحبيب لا يخون.

 

 ولما كان يوم الجمعة عطلة رسمية وعطلة لمعظم الناس سنذهب الى الكنيسة صباحا للمشاركة في الساعات الملكوتية وصلاة الغروب فإن هذه الخدمة على دسم روحي يجعلها قمة في هذا الأسبوع المقدس مليئة بالتعليم بالمزامير المختارة بصورة بديعة وببعض أناجيل الآلام ايضا حتى نطوف بأيقونة المسيح الدفين (الإبيتافيون) بانتظار تقاريظ الجناز بدءا بـ "يا يسوع الحياة في قبر وضعت" ونقترب من هذه الصورة في آخر الخدمة ونقبل وجه يسوع وقدميه لنقول له اننا اتخذناه نهائيا مخلصا لنا.

 

 وفي كل هذا نعرف ان الحياة الإلهية دخلت به مملكة الموت وانها أبطلت الموت، لنقول له انه غالب كل شكل من أشكال الموت فينا وقد علمنا اننا "دفنا معه لنسير الى موته حتى كما قام يسوع من بين الأموات نسلك نحن ايضا في حياة جديدة". في هذه الخدمة العظيمة لا نبكي عليه. فإن المسيح "سبَتَ بالجسد بواسطة سر التدبير الصائر بالموت ثم عَاد بواسطة القيامة الى ما كان ومنحنا حياة أبدية".

 

 ثم يحل السبت العظيم الذي كنا نقيمه قديما في الليل وفيه يعمّد " المستنيرون" الذين علمتهم الكنيسة ليتقبلوا المعمودية عند غروب الفصح في بيت المعمودية القائم خارج الكنيسة، وبعد المعمودية يدخلون الكنيسة فنستقبلهم بقول بولس: " انتم الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح لبستم". وفيما هم كانوا يقتبلون العماد نقرأ من العهد القديم ما يتعلق بالعماد. اذ ذاك نهتف للسيد المبارك: " قم يا الله واحكم في الأرض".

 

 كلنا شوق الى القيامة التي عبّرت عن الحياة الجديدة. وبعد الطلبات التي تلي الإنجيل نقول: " ليصمت كل جسد بشري" لأن الكلام المباح الآن هو ان المسيح قام من بين الأموات. وهذه هي الكلمة الوحيدة المخلّصة للعالم. ولن يزيد عليها بشري كلمة واحدة.
 
 بعد هذا لا يبقى علينا سوى ان ننتظر فجر القيامة.
 

 

الأسبوع العظيم

 


 من أحد الشعانين نحن مع يسوع في سر آلامه وفي سر خلاصنا، دخل يسوع اورشليم القاتلة في حقيقة تواضعه ليذهب الى آلامٍ تطوَّع لها من اجل ان نعرف بموته محبة الله . هتاف الأطفال: مبارك الآتي باسم الرب، ألا نفهمه مبارك المسيح الداخل ليس فقط المدينة ولكن قلوبنا لتحيا به؟

 

 ثم تأتيك الأمسيات الثلاث الساطعة اعني ليالي الخَتَن (وتعني بالعربية العريس)، السيد يدعونا الى ان نسهر معا ولا ننام نومة الخطيئة، الأيقونة تمثله مهانا وأحيانا واقفا في القبر لتوحي بأنه يجعل النفس عروسا له بالموت الذي هو قمة حبه ( ليس من حب اعظم من هذا ان يبذل الانسان نفسه عن أحبائه) . وتتوالى في هذه الليالي فصول الإنجيل التي أوردها متى وقالها يسوع بعد ان دخل اورشليم .
 في صلاة الخَتَن الأولى يقول الرب: "ها نحن صاعدون الى اورشليم وسيُسلَم ابن البشر" . تستنتج الكنيسة: "هلم اذن نحن يا أخوة نصحبه بضمائر نقية". واخيرا يأتي التعليم عن التواضع منسوجا من انجيل مرقس: "الاول فيكم ليكن خادما للكل" . طبعا الخِدَم الصباحية وفيها القداس السابق تقديسه على ثلاثة أيام مع قراءة النبوءات وايوب البار المتألم وهو صورة المسيح . وكل يوم مساء تتكرر قطعة الختن لنعرف اننا ذاهبون بمشاركة آلامه الى عرس معه حتى نصل الى قمة أولى في الترتيل: "يا رب ان المرأة التي سقطت"، وكأننا نقول: نحن مثل هذه المرأة وقعنا ونبغي القيام . الأربعاء مساء نقيم صلاة الزيت وهو سر من اسرار الكنيسة يقام اصلا على المريض في البيت ، غير ان استعماله سقط في الواقع عندنا، ولكنا نقيمه للجماعة كلها في هذا اليوم لكوننا جميعا مرضى جسديا وروحيا .

 

 قمة ثانية قداس الخميس العظيم الذي يمتاز بأنه ذكرى للعشاء السري، وفي الليل كل روايات الآلام كما وردت في الأناجيل الأربعة. وقد ارادت الكنيسة على رغم التكرار واختلاف التفاصيل ان نصغي الى وصف الآلام كما حصلت ، والذروة هنا الإنجيل الاول وهو انجيل العهد المأخوذ من يوحنا وهو أغزر قراءة عن العلاقات التي تربط بين الآب والابن والروح القدس، وهو خطاب الوداع الذي ألقاه يسوع على تلاميذه في طريقه الى بستان الزيتون .

 

 غير ان الخدمة التي تحتوي على جوهر الآلام هي خدمة الساعات الملوكية صباح الجمعة اذ تتلى المزامير والنبوءات المتعلقة بالفداء الى جانب بعض الروايات الإنجيلية التي تتكرر فيها بعض من الفصول الإنجيلية التي تليت مساء الخميس . وفي نهاية صلاة الغروب التي تختم الخدم نطوف بالإبيتافيون المسمى النعش عندنا، وهو كناية عن ايقونة المسيح المدفون، فتوضع في وسط الكنيسة بانتظار خدمة جناز المسيح ، وهي كناية عن سَحَر السبت العظيم وفيها التراتيل المعروفة بالتقاريظ وهي مؤلفة من ثلاثة اجزاء تخاطب المسيح الدفين والمرتقبة قيامته.  وانتظار القيامة يضفي على هذه الخدمة طابع الفرح ، فإنها كانت تقام صباح السبت العظيم. خدمة الآلام هي في الحقيقة الصلاة التي تقام صباح الجمعة في الترتيب الحالي .

 

 واخيرا يأتي سبت النور الذي كان يقام قديما مساء السبت وتجري فيه معمودية الموعوظين الذين آمنوا بالمسيح واعددناهم للمعمودية، فكان يُذهب بهم الى بيت المعمودية القائم عند غربي الكنيسة، وبعد ارتدائهم الثوب الأبيض كانوا يدخلون حاملين الشموع ونستقبلهم بكلام بولس: "انتم الذين بالمسيح اعتمدتم، المسيح لبستم". في اثناء عمادهم كان المؤمنون يتلون من النبوءات ما يتعلق بالعماد والقيامة، ثم تأتي الرسالة لتقول: "ان كل من اصطبغ في المسيح يسوع اصطبغ في موته فدُفنّا معه في المعمودية للموت حتى اننا كما أُقيم المسيح من بين الأموات بمجد الآب كذلك نسلك نحن في جدة الحياة" . هذه دعوة لنا نحن ايضا لنعرف ان الفصح اذا تساقط علينا ننال به الحياة الجديدة، ثم يتلى من متى روايته عن القيامة .

 

 هذا هو في الحقيقة أول قداس للعيد، وكان ينتهي عند الفجر، ثم يقام قداس آخر صباح العيد.
 كنا في هذا الصيام كله نستعد للقيامة بالتوبة والصوم والنسك، كنا نتطهر حتى نستحق رؤية المسيح الغالب لخطايانا والمعطينا حياة الأبد .

 

 

 

الأسبوع العظيم

 
 يسوع يدخل المدينة القاتلة ملكا ولكن ملكه لن يعلن الا على الصليب الذي أراده اليهود أداة إذلال للسيد وجعله هو مطرح مجده  "الآن (في الموت) تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه" .

 

 أسلموه الى الموت حسدا غير عارفين ان هذا الموت يؤول الى خلاصهم اذا قبلوا يسوع مخلصا لهم، ولما أماتوه لم تبق لهم رسالة ولم يبق لهم معنى وصار المؤمنون بيسوع شعب الله .

 

 انه لقد افتدانا بدمه وجعلنا "أمة مقدسة" وخلائق جديدة فنتجدد بالمعمودية ونغتذي بالقرابين الإلهية والغفران والمحبة، وكشف لنا قوة حياتنا الجديدة بالعشاء السري لما اخذ خبزا وباركه وكسره وقال لنا: "خذوا كلوا هذا هو جسدي" ثم اخذ الكاس وباركها وقال لنا: "اشربوا منه كلكم هذا هو دمي". وبعد حلول الروح القدس على التلاميذ أخذنا نقيم القداس الإلهي لكي نحيا بجسد المسيح ودمه الكريمين اي نحيا بذات المسيح ونستمد حياتنا من حياته .

 

 وأدركنا بموت السيد انه هو معشوقنا وان الكنيسة ليست سوى هذه الجماعة التي تعرف انها محبوبة وتعيش بهذا الحب. اجل هناك عبادات وتنظيم كنسي وقوانين ولكن هذه كلها لباس للمسيح وتجليات له وهي ليست قائمة الا لكونها نفحات منه .

 

 وصرنا نعرف ان "الختن يأتي في نصف الليل" والختن هو العريس ويأتينا عريسا للنفس المؤمنة في ظلام خطيئتها ويمحو الخطيئة بدمه ونقترن به بلا انقطاع هذا اذا لم نقم بدور يهوذا خائنين او بدور بطرس جاحدين ولكنا نقوم بدور لص اليمين القائل: "اذكرني يا رب متى أتيت في ملكوتك". اذكرني اي لا تنسني وانا خروف من خرافك، اذكرني باسمي حبيبا لديك لأحيا بهذا الحب الذي تدفقه علي .

 

 هكذا نقف امام الصليب ناظرين الى المصلوب وحده غير متلهين بشهواتنا وأطماعنا وأحقادنا اذ لا شيء فيها يساوي المحبة التي انسكبت علينا، ونكافح ضعفاتنا لأنها تعطل رؤيتنا ليسوع واتحادنا به. فإذا أدركنا اننا نحيا برؤيته إيانا ورؤيتنا إياه نصير في النور الذي يغسل نفوسنا من كل دنس وتملانا من حضرة المسيح فيكون الكل في كل كياننا بحيث أمكننا ان نقول مع الرسول: " لست أنا احيا بل المسيح يحيا فيّ" .

 

 وحتى نتدرب على هذه المعاني لا بد لنا ان نشترك بالخدم التي تقام في الأسبوع العظيم فلا نبتعد عنها الا اذا كنا في أشغالنا، فالصلوات هذه تحوي كل معاني الخلاص ونصل بها الى هدوء النفس وسلامها، والطريقة المثلى لتنقيتنا ان نقتبل المناولة الإلهية في كل قداس في هذا الأسبوع الطيب حتى لا تبقى هوة بيننا وبين المسيح .

 

 والقرابين الإلهية هي فصحنا في الآحاد والأعياد لأنها قيامتنا حسب قول السيد لمرتا: "انا القيامة والحياة". فاذا كان العيد ذكرى لنهوض السيد من بين الأموات ففي المناولة الإلهية تتحقق قيامة النفس. نحن قوم فصحيون نستبق القيامة العامة بتطهر القلب ورجوعه الى الآب والابن في الروح القدس .

 


 
دخول يسوع اورشليم

 
 أمس كان عندنا سبت لعازر الذي أقامه يسوع من بين الأموات صورة مسبقة عن قيامته هو في اليوم الثالث. لعل أهم ما جاء في إنجيل أمس هو قول مرتا أخت لعازر للسيد: "لو كنت ههنا لم يمت أخي... فقال لها يسوع سيقوم أخوك". ظنت انه كان يتكلم على القيامة في اليوم الأخير "قال لها يسوع انا القيامة والحياة". وكأنه يقول القيامة الأخيرة سوف تحل ما في ذلك ريب. ولكن المهم ان تعيشوا انتم وكأنكم تحققون هذه القيامة كل يوم. وهذه حدث في داخل نفوسكم. انا قيامتكم وحياتكم ان انتم آمنتم بي. فالمهم التصاقكم بي. هنا تبدو المسيحية على انها عشق المؤمنين ليسوع. المسيحية ليست كتابا. هي أنا.

 

 في اليوم الثاني دخل يسوع الى اورشليم "راكبا على أتان وجحش ابن أتان". هي دابة الفقراء. يدشن المسيح موته بشكل فاتح متواضع اي انه يدخل قلوب الناس وطراوتهم. يستقبله الأطفال بالدرجة الأولى. يركب بهيمة " ليحل بهيمية الأمم".

 

 عشية ذلك اليوم والاثنين والثلاثاء نرتل "ها الخَتَن (وهي كلمة سريانية تعني العريس) في نصف الليل". يدخل كل نفس في كثافة الظلام لأنه نورها. وكل نفس مؤمنة به تصير عروسا له. صرنا في مرتبة الحب. وتأكيدا لذلك نرتل ايضا: "انني اشاهد خِدْرَكَ مزينا يا مخلّصي". والخدر هو الغرفة الزوجية اي ان الكنيسة تدعونا الى العرس، اسبوع آلام وليس اسبوع حزن. ذلك ان اوجاع المخلّص تعطينا فرح الخلاص. ومن جديد نستوحي إنجيل مرقس ونقول: "قلتَ لهم (اي لتلاميذك) ألا يماثلوا الأمم بالسيادة على من هم دونهم، فالاول فيكم ليكن خادما للكل والرئيس كالمرؤوس والمتقدم كالأخير". ايضا هنا التواضع حتى آخر طريقه اي الموت.

 

 لا نعرف على وجه الضبط كيف قضى المعلم هذه الأيام الأولى في اورشليم، ولكنا نعرف الأقوال التي علّمها في الهيكل واهمها ما يتعلق بالدينونة. انتبهوا وعوا فصليبي يدين العالم، فلا تقعوا تحت الدينونة بمشاركتكم الذين سيقتلوني. أبيدوا شهواتكم المؤذية لئلا أحاكمكم في اليوم الأخير. احبوا موتي الإنقاذي لئلا تموتوا بمعاصيكم.

 

 بعد هذا، مساء الخميس العظيم، سيقيم العشاء السري مع تلاميذه. " شهوةً اشتهيتُ ان آكل هذا الفصح معكم... ثم تناول كأسا وشكر وقال : خذوا فاقتسموا بينكم فأني أقول لكم اني لا اشرب من عصير الكرمة حتى يأتي ملكوت الله. واخذ خبزا وشكر وأعطاهم قائلا هذا هو جسدي الذي يُبذل لأجلكم... وكذلك الكأس من بعد العشاء قائلا هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي...". ثم خرج ومضى على عادته الى جبل الزيتون وتبعه تلاميذه.

 

 هذا هو القداس الإلهي عندنا. "هذا هو جسدي" اي هذا هو انا، بمعنى أنكم اذا تناولتم القربان في كل ذبيحة تأكلونني اي تجعلون ذاتي في ذواتكم. والدم الذي تشربونه - وصورته الخمر- إنما هو الحياة (في فلسفة ذلك العصر الدم هو الحياة). فكلما اجتمعتم تتناولون ذاتي وحياتي. القصة ليست اكل لحم وامتصاص دم بالمعنى البيولوجي. الكل فيكم هو أنا لأني انا القيامة والحياة كما قلت لمرتا قبل أيام معدودات. "من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وانا فيه". فبالدم يتحد العريس والعروس. وما انا معطيكموه الآن صورة إنما سيتم غدا على الصليب اذا طعن اليهود جسدي وأهرقوا  دمي. اذ ذاك تنطلق حياتي من هذا الصليب عليكم وعلى العالم. " ثقوا اني غلبت العالم". سيقول هذا بعد العشاء الأخير فيما كانوا نازلين الى وادي قدرون ليبلغوا جبل الزيتون حيث يسلم الخائن المعلم الى ايدي الخطأة.

 

 "انتم فيّ وانا فيكم". عند ذاك آخذكم اليّ. انتم تحسبون اني صرت اليكم، وهذا ما أكدته قبل ذلك في الحديث عن خبز الحياة كما رواه يوحنا في إنجيله الرابع. ولكن ما لا تعرفونه أنكم لحظة تأكلون جسدي وتشربون دمي، انا ايضا آكلكم واشربكم وأتناولكم لكي تكونوا معي على عرشي. فاذا نظرتم اليّ مصلوبا تستوون على العرش وتقومون من موتكم الروحي حتى نهاية هذا الوجود الأرضي، ثم تستوون على عرشي في السموات عن يمين الآب اي تكونون على كرامة الآب. انتم في الحب تتألهون وتصيرون ملوكا بملوكية الآب، وهذا هو فصحكم الأبدي.

 

 

 

من موقع "شبكة القديس سيرافيم ساروف" الأرثوذكسية