|
|
||||||||||||||
|
|
||||||||||||||
|
لخمسين يوماً بعد الفصح والتي تفصل بين القيامة التي صارت فجر الأحد ويوم العنصرة حيث حل الروح القدس على التلاميذ المجتمعين في علية صهيون فطفقوا يعلنون البشارة بلغات العالم المختلفة ولا يعرفون خوفاً ولا تعباً ؛ هي ما يعرف في الزمن الليتورجي الأرثوذكسي بالبندكستاري.
سنحاول ان نسلط
الضوء معاً على اهم ما في هذه الأيام المباركة من معانٍ ..
ما تطلبه النفس ان تبقى مشدودة الى الفصح بعد إقامته حتى لا تفقد فرحه، ولهذا يبقى الموسم الفصحي عندنا حتى خميس الصعود ونرتل في هذه الفترة، باستمرار، المسيح قام. على هذا المنوال نقرأ اليوم من بشارة يوحنا عن ظهورين للسيد، اولهما عشية القيامة، وثانيهما في الأحد اللاحق، هذا الذي نحن فيه اليوم .
مساء الفصح يبدو السيد لتلاميذه مجتمعين ويلقي عليهم السلام "ولما قال هذا، اراهم يديه وجنبه". كان هذا ليتيقنوا ان الرؤية صحيحة وان ما رأوه ليس شبحًا. الاستنتاج المنطقي من هذا الظهور ان هذا الذي يشاهدونه الآن انما هو هو الذي عُلق على الخشبة. نحن امام واقعة الصلب التي شهد لها الإنجيليون الأربعة وتحدث عنها بولس في رسالته الاولى الى اهل كورنثوس حوالى عشر سنين بعد الحادثة اي كانت يقينا عند المسيحيين الذين تتلمذ عليهم الرسول.
عند هذا المشهد كان توما غائبا، عند عودته الى العلية التي كانوا فيها مجتمعين أخبره الرسل بالأمر فقال: "ان لم أعاين أثر المسامير في يديه واجعل اصبعي في موضع المسامير وأضع يدي في جنبه لا اؤمن". شك توما طبيعي ويدل على ان التلاميذ لم يكونوا مهووسين وان توما بخاصة لم يكن مهووسا ، التصديق السريع لم يكن عند أحد.يسوع نفسه لم يسعَ الى ان يصدقوه فورا، ولذلك "أراهم يديه وجنبه". فلما كان توما معهم في الأحد اللاحق، ظهر لهم الرب وقال لتوما "هات اصبعك الى ههنا وعاين يديّ، وهات يدك وضعها في جنبي"، هل تلمّس الرسول جسد الرب كما طلب اليه ان يفعل ام اكتفى بكلام يسوع ولم يجسّه، ليس هذا الأمر المهم. لعل السيد لما قال له: "لا تكن غير مؤمن" أراد ان يوحي اليه ان شهادة إخوته الرسل كافية. لعل هذا دعوة الينا ان نؤمن بما قالته الأجيال الاولى عن المعلم.
مهما يكن من أمر تبقى شهادة توما شهادة عظيمة، هناك ظهورات اخرى عديدة تتلى علينا كلها في انجيل السَحَر يوم الأحد لأن الكنيسة تريدنا ان نؤمن بناء على ما جاء في الكتب.ولهذا اعتمدت الأناجيل الأربعة فقط لأنها من التراث الرسولي.
تقف العقلية الشعبية عند توما شاكاً ولكن حقيقة توما الكاملة انه آمن من بعد شك.والحقيقة الأعمق انه الشاهد الأقوى على ان الذي ظهر له وللتلاميذ المرة الثانية هو نفسه الذي صلبوه، اذ كان من الممكن لولا توما ان يقال ان هذا الذي تراءى لهم عشية الفصح كان شبحا. ولكن بعد ان قال يسوع لتوما "هاتِ اصبعك الى ههنا وعاين يديّ وهاتِ يدك وضعها في جنبي" لم يبق مجال للشك ان هذا الذي ظهر بعد اسبوع هو نفسه الذي مات على الصليب اذ لا يزال يحمل آثار الصلب.
اجاب توما: "ربي وإلهي". كما هي واردة في الأصل اليوناني تعني انت الرب وانت الإله (لي) اي انه استعمل ال التعريف المطلقة. لا يمكن لغويا ان تعني انت رب من الأرباب وإله من الآلهة. هذا لم يكن معروفا عند اليهود، اي انت نفسك "يهوه" إله العهد القديم الذي كلَّم ابراهيم وموسى والأنبياء.
مما نقرأه في إنجيل اليوم وغيره ان القيامة هي الدعامة الوحيدة لإيماننا بيسوع. يؤسس بولس الرسول المعمودية على موت المسيح وقيامته (الرسالة الى اهل رومية) ويؤسس سر القرابين الإلهية عليها ايضا (الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس). كذلك يصدمه في جماعة كونثوس ان بعضا من المؤمنين لا يؤمنون بقيامة الأموات اذ يقول: "فاذا أعلن ان المسيح قام من بين الأموات، فكيف يقول بعضكم انه لا قيامة للأموات"... "وان كان المسيح لم يقم، فتبشيرنا باطل وايمانكم ايضا باطل".
هنا يذهلني ما سمعته مرارا من اشخاص قليلي الايمان قالوا لي ما مفاده اننا لا نعرف شيئا عن القيامة، من ذهب وعاد ليخبرنا؟ الآن اقول لهم: "ان واحدا ذهب واخبرنا وهو المسيح"، وشهادته كافية.
إيمان الشهداء بقيامة المخلص هي وحدها التي تفسر انهم ذهبوا الى الموت بهذه الشجاعة المذهلة، منها وحدها استمدوا قوتهم "قام المسيح فليس في القبور من ميت" قالها القديس يوحنا الذهبي الفم مع انه شاهد ناسا يموتون غير انه استبق القيامة الأخيرة ورأى ان الذين رقدوا بالمسيح ينتظرونه، فرآهم كأنهم نهضوا اليوم.
القيامة وحدها تجعلنا اقوياء في المحنة، في المرض، غالبين للخطيئة، متعزين عن موت الأحبة. نحن بفضلها نحتمل كل صعوبة ونصبر على الاوجاع صبرا مذهلا، وبسبب فرحنا الفصحي نسلّم بعضنا على بعض بقولنا: المسيح قام؛ وجواب الآخر: حقا قام. انا حزين لأن الكثيرين أهملوا هذه التحية، عودتها اجتماعيا الينا والى أفواهنا كشف لإيماننا امام الناس .
الإيمان يتطلب أن يتجاوز كل واحد عناده وانغلاقه على نفسه وتمسكه برأيه الخاص. لا شيء يقتل مثل الرأي الذي يتحجر به الإنسان ليرفض الآخرين. لا شيء أساسي فينا إلا الاعتقاد بأننا عابرون إلى الموت وإن كل واحد يُستغنى عنه في حياته ومماته وتبقى الأرض تدور حول الشمس والنبات ينبت والحيوان يعيش والإنسان يسمو.لا شيء أساسي مثل قبولنا الآخر بجراحه, بنقائصه, ببهائه وسقوطه معا. لا شيء مهم مثل اعترافنا بحقه في الاختلاف. لا شيء مهم مثل المحبة. إنها هي القيامة الدائمة. المحبة وحدها تمكننا من تناول الرب كلمة وجسدا ودما وإن نتناول الأخ في سره.
أن تحب هو أن تمد المسيح في نفسك وفي نفس الآخرين. وإذا يسوع دخل إليهم – وأبواب النفس مغلقة – فإنه يكسر هذه الأبواب ويقيم هناك بالروح القدس.
أحد حاملات الطيب
هذا احد حاملات الطيب الذي يدور فيه الحديث عن عملية تطييب جسد يسوع لأن السبت كان قد حل عند دفن السيد ولا يجوز فيه العمل. ذهبت النساء القديسات وعلى رأسهن مريم المجدلية وتساءلن: من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر. يقول الكتاب انهن تطلعنا فرأين الحجر قد دحرج. لا يقول الإنجيل شيئا عن علاقة الحجر المدحرج وقيامة المخلص. هل ازاحته قوة الهية حتى يخرج السيد ام ان القيامة بحد نفسها زلزال يزيل كل العقبات.
همي انا ان احيا بالقيامة كل حين حسب قول السيد لمرتا: انا القيامة والحياة، ان اذوق قوة القيامة فيّ قبل المجيء الثاني وحدوث القيامة العامة. فانتصار السيد ممدود فيّ وفي المؤمنين او يكون حدثا ولى وقصة نرويها.
انا اعيش في وسط العقبات، في المرض قليله او كثيره، في خطر نوبة قلبية ورعب السرطان. وذاك يختبر الفقر والعوز واليأس يصعب تجاوزهما ان لم تحدث معجزة اقتصادية في البلد. عقبة الخلافات الزوجية او خلافات العمل او صدمات حياتنا الكنسية بما فيها من تحامل على بعض واضطهاد لبعض.
ان يعيش الإنسان في اخطار الأمراض المزمنة وتلك الموجعة، ان تحتمل المرأة عنف زوجها، ان يشك احدهما بالآخر. ان اسقط كل يوم في ضعف لا ينتهي، ان يبقى البلد على ما هو من تصدع ابنائه. وفقدان الكفاءة والرشدة كل هذا عقبات قليلها ينتهي.
اين يسوع من كل هذا او اين من يسوع الظافر اذا بقيت اعاني من كل هذا او من بعض منه واتحجر في خطاياي. هل من يدحرج لي الحجر عن باب القبر الذي قبرت نفسي فيه او قبرتني فيه ظروف معيشتي. احيانا كثيرة لا يبدو لي ان اوجاعي الجسدي او المعنوية آخذة بالانخفاض كثيرا ما احس انا غريق او اني اكسر رأسي على الصخر.
ان ايماني بالقيامة يجعلني اعتقد ان المسيح معي في عزلتي، في حرماني العاطفة ممن اتوقعها منهم. احس اولا بأن يسوع بديل عن كل انسان، بديل عن زوج يخون او زوجة تخون، عن شخص كبير في الكنيسة او في المجتمع يفتري علي ويكرهني. يسوع بديل عن كل مخلوق.
السيد لم يعدني انه منقذي من هذا المرض او ذاك وان بعث بالرسل للشفاء ولكن لا يشفى كل واحد ولا الزوج يتوب ولا القامع يبطل القمع. فعندما قال السيد: انا معكم حتى منتهى الدهر لم يرد فقط انه مع الكنيسة جمعاء في عملها التبشيري ولكنه اراد انه مع كل واحد من احبائه في الوضع الذي يكون عليه. في المرض، في العزلة، في الخطيئة وانه سيجعلها انسانيا قياميا مشدودا الى يسوع ولو بقي تحت وطأة اتعابه.
الدنيا وادي دموع. في اليوم الأخير سيمسح يسوع كل دمعة عن كل عين. الآن نتعزى عن الدمعة بالتعزيات الروحية التي تنزل علينا وتغيرنا من الداخل اي تقيم الفردوس في النفس مع استمرار اتعابها واتعاب الجسد. مع ذلك المسيح قائم ابدا فينا.
وفي وسط الأمراض والفقر والجفاف العاطفي نقدر ان نكون. المسيح قام.
واذا كانت البركة رمزا لما عتق وشاخ مما كان آنذاك غير يسوع، فالبركة اليوم رمز للتقاليد البالية التي يخلقها الإنسان من نفسه او مطالعاته او الفولكلور الديني الشعبي وبكلمة من كل ما يتوكأ عليه الانسان في هذه الأرض. فكما شفى يسوع المفلوج كذلك يشفينا اليوم من المعتقدات الكاذبة، من الفلسفة الباطلة، من البدع التي تفسد عقيدتنا.
هذا الفصل الإنجيلي دعوة الى اعتبار يسوع كل حياتنا بحيث لا نبدّل تعليمه ولا نضيف عليه شيئا ولا ننقص منه شيئا. ما يشفينا هو حبه لنا بحيث نتكئ على صدره ونسمع قلبه يناجينا.
لقد شاهد اليهود الأعجوبة وبدلا من ان يشكروا السيد او يمجدوا الله أطلعوا شيئا من ناموسهم كما هم يفسرونه. قالوا للمريض: "انه سبت فلا يحق لك ان تحمل السرير". في الأناجيل الأخرى ان "ابن الانسان هو رب السبت" وان الانسان لم يوجد للسبت بل السبت للإنسان. يسوع لا ينقض السبت ولكنه يتوسع بتفسيره. يريده متصلا بالرحمة ووصية يتمكن فيها على صنع العجائب من كان قادرا على صنعها. "اريد رحمة لا ذبيحة"، وقياسا على هذا يجب الشفاء اذا وجد مريض. يكسر في ذلك لاهوت الفريسيين الذي لم يكن فيه أثر للعطف على الإنسان. ان صدام يسوع للفريسيين في هذا المجال هو الذي هيأ لقتل السيد.
هذه التلاوة بيّنت لنا ان المسيح لم يحصر مهمته في صنع المعجزات اذ كان التعليم يهمه. انه يظهر لنا على الايقونسطاس فاتحا الإنجيل اي معلما، وهكذا سماه التلاميذ بالدرجة الاولى.
بعدما قام بأعجوبة إكثار الخبز علّم. كذلك يعلم نيقوديموس والمرأة السامرية. يسوع هو بتعليمه الخبز النازل من السماء. وانت تتلمذ على يسوع وحده وليس على فلسفة من فلسفات البشر. وعندما كتب آباؤنا ما كتبوا انما عرفوا انفسهم يشرحون كلام السيد، وقد رفضوا دائما ان يأتوا بتعليم آخر.
من اقتبل كلام السيد انما يقتبل السيد نفسه، وبهذا الكلام يصحح ما قد يكون مغلوطا في ما دخل اليه من الفكر الملتوي.
كل فكر ملتوٍ يشوه المسيح الذي استقر فينا في المعمودية ونما فينا في العبادة وقراءة انجيله. اجل يجب ان نطلع ما امكننا على كل شيء، على ان نخضع كل شيء لفكر المسيح الذي نحيا به ولا نكون مفلوجين. لا ينبغي ان نعرج بل يجب ان نقفز كالأيائل التي تقصد دائما ينابيع الماء الحي.
أتى يسوع وسأله: أتريد أن تشفى؟ سؤال بديهيّ يلاقي جوابًا شاكيًا عدم وجود مَن يساعده ليلقي نفسه في الماء. هنا يقول له يسوع: قمْ واحملْ سريرك وامشِ، فيستوي الرجل ويحمل سريره ويمشي. فغضب اليهود لرؤيتهم هذا الرجل يخالف شريعة السبت، إذ كان يعمل ما لا يمكن عمله نهار سبت. وعندما علم يسوع بهذا الأمر قال لليهود: "أبي ما يزال يعمل وأنا أعمل أيضًا" (يوحنّا 17:5). ويضيف الإنجيل قائلاً: "فاشتدّ سعي اليهود لقتله، لأنّه لم يقتصر على استباحة حرمة السبت، بل قال إنّ الله أبوه، فساوى نفسه بالله" (5، 18). هنا بيت القصيد في هذه الرواية الإنجيليّة.
كان اليهـود يعتقـدون بأنّ استراحـة الله بعـد الخلق كانت تقتصر على عمله الخالق فقـط، الذي انتهى في اليـوم السابع: "وبارك الله اليوم السابع وقدّسه، لأنّه فيه استراح من كلّ عمله الذي عملـه خالقـًا" (تكـوين 2، 3). ولكنّهـم كانوا يؤمنـون أيضًا بأنّ اللـه ما زال يعمـل في كلّ زمان في إدارة الكـون الذي خلـقـه وفي الحكم عليه. فالله لا يتوقـّف عن العمل إطلاقًـا، حتّى ولا يوم السبت. من هنـا نعـي سبب غضـب اليهـود على يسوع حين قال إنّ اللـه ما يـزال يعمـل، وهو يعمل أيضًا. فهو ينسب إلى نفسه صفـات إلهيـّة، وما يبـدو لدى اليهود كفـرًا ليس سوى الحقيقـة الباهرة. ذلك أنّ يسوع هو ابن الله الذي أولاه الآب كلّ شيء، وبخاصّة أنّه هو الديّان الذي سيـدين العالـم، فيقول: "فكما أنّ الآب يقيم الموتى ويحييهم، فكذلك الابن يحيي مَن يشاء. لأنّ الآب لا يدين أحدًا، بل جعـل الحكـم كلـّه للابن" (يوحنّا 5، 21-22).
ويتابع يسوع الكلام على مساواته للآب مثيرًا استهجان اليهود، فيؤكّد أنّ سلطانه إنّما هو سلطان إلهيّ، فالله وحده يحيي ويميت (تثنيـة الاشتراع 32، 39). ويسوع يحدّد سلطانه في أمرين هما من ميزات الله وحده: إحياء الموتى والدينونـة. واللافت أنّ يسوع يوضح لنا أنّ الحياة التي يهبها إلى البشر لا تقتصر على صحّة الأجساد في هذه الفانيــة، بل هي الحياة الأبـديّة. هذه الحياة المرتبطة بالإيمان: "الحقّ الحقّ أقول لكم: مَن سمع كلامي وآمن بمَن أرسلني فله الحياة الأبديّـة، ولا يأتي إلى دينونة، بل انتقل من الموت إلى الحياة" (يوحنّا 5، 24). لذلك، ينبـّه يسوع اليهود إلى ضرورة إكرامه، لأنّ مَن لم يكـرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله.
يعلّق القدّيس أفرام السريانيّ على قول يسوع: "أبي ما يزال يعمل وأنا أعمل أيضًا" فيقول: "لا تتلقّى الملائكة الأمر بالتوقّف عن العمل أيّام السبت، ولا السموات عن إنزال الندى والمطر، ولا الكواكب عن متابعة مسارها، ولا المزروعات عن إنضاج الثمار، ولا البشر عن التنفّس والتناسل. بل على العكس، فالنساء تلد أيّام السبت، وليس ثمّة وصيّة تحظر عليها ذلك. كما تعطّل ختانة الأولاد في اليوم الثامن شريعة السبت... فإذا كان لدى المخلوقات كلّها هذه الحرّيّة، فكم بالحريّ لخالقها؟ وهكذا ابن الإنسان هو ربّ السبت". أمّا القدّيس سمعان اللاهوتيّ الحديث فيحثّ المؤمنين أيضًا، انطلاقًا من هذه الآية، على العمل الدائم من أجل الحصول على الحياة الأبديّة فيقول: "ينبغي لنا أن نعمل، نحن أيضًا، ليس فقط من أجل الطعام البائد، بل من أجل الطعام الممتدّ إلى حياة أبديّة".
آخر ما تفوّه به يسوع متوجّهًا إلى المخلّع الذي أبرأه كان هذا القول: "ها قد عوفيت فلا تعدْ تخطئ لئلاّ يصيبك أشرّ" (5، 14). القصد هنا هو أنّ النعمة التي نالها مخلّع البركة وقد جدّدت جسده إنّما تدعوه إلى الاهتداء بكلّيّته إلى الله. وإذا تجاهل ذلك يصاب بأكثر من علّته السابقة، إذ يعرّض نفسه للموت الروحيّ. فيسوع يطلب أوّلاً توبة الإنسان، السليم الجسم والمعوّق معًا، فالملكوت مفتوح للاثنين، ولا فرق بينهما إلاّ بمقدار ما يتميّزان به من طهارة القلب وسعي إلى القداسة. من هنا، رأى بعض التقليد المسيحيّ في هذه المعجزة رمزًا لسرّ المعموديّة. وثمّة أكثر من شهادة تفيد أنّ سر المعموديّة كان يُمنح، أثناء العصور الأولى، في بركة بيت حسدا، تذكارًا لعمل يسوع.
يسوع في طريقه من اليهودية الى الجليل كان لا بد له ان يجتاز منطقة السامريين الذين كان اليهود يكفّرونهم لأن دماءهم اختلطت بالدم الأجنبي ولم يعترفوا بكتب الأنبياء معترفين فقط بأسفار موسى الخمسة وما كانوا يعتبرون أورشليم مركزا للعبادة.
وصل السيد الى بئر يعقوب القائمة حتى اليوم في حمى كنيسة أرثوذكسية قرب نابلس الحالية، وهي مدينة لا تزال هذه الطائفة فيها وهي لا تعد أكثر من ثلاثمئة شخص في فلسطين والمهاجر.
تعب يسوع من السير فجلس عند هذه البئر عند الظهر. فجاءت امرأة سامرية لتستقي ماء فقال لها الرب:"أعطيني لأشرب" اي من دلوك. فاستغربت ان يكلّمها وليس بين اهل الطائفتين كلام، وذكّرت المرأة يسوع بهذا. حدّثها عند ذاك عن ماء حي غير ماء البئر ويريد به ماء الحياة الجديدة بالايمان به. فلم تفهم فأصر بقوله:"من يشرب من الماء الذي أنا أعطيه فلن يعطش الى الأبد"(في موضع آخر سيقول الخبز السماوي). هذه كلّها صور يدل بها على نفسه وعطائه.
بقيت محدودة ببئر يعقوب وبعكرة ماء بديل عن الذي جاءت لتستقي منه. عندئذ رفع السيد سقف اهتمامها: "من يشرب من الماء الذي انا اعطيه فلن يعطش الى الأبد". عند هذا السمو بالفكر قالت له اعطني هذا الماء" لكي استغني عن بئر يعقوب اذ ذاك، صدعها بقوله: "اذهبي وادعي زوجك". اقرت بما يعني ان ليس لها زوج وانها تعيش مع رجل. ينقطع هنا الحديث عن سلوكها. ولكن ما يمكن فهمه ان الرب اوحى اليها انها لا تستطيع ان تشرب من الماء الذي يعطيه ما لم تتب.
بعد هذا قالت المرأة أن المسيح سيأتي ويخبرنا بكل شيء. عندئذ، أعلن يسوع عن نفسه أنه هو المسيح.
بعد أن آمنت المرأة أن هذا الرجل هو المسيح تركت جرّتها وقالت هذا للناس. تركت جرتها، تعني أنها تركت كل ما هو لهذا الجسد، للعالم وذهبت وبشّرت وصارت خليقة جديدة. صارت طبيعتها من طبيعة النور.
أضاءت منطقتها بضياء المسيح الذي صارت هي منه. غيّر يسوع برنامج مسيرته. مكث عندهم يومين. بشر هناك بالانجيل اذ يقول الكتاب أن الكثيرين منهم آمنوا به وآمنوا أنه بالحقيقة مخلص العالم. وكان هذا تمهيدا لمجيء الرسل الى السامرة بعد ان قام من بين الأموات.
في انجيل اليوم اعمى منذ مولده رآه يسوع فسأله تلاميذه قائلين: "يا رب من اخطأ أهذا ام ابواه حتى ولد اعمى؟". أُخذت هذه الآية عند المؤمنين بالتقمص ان هذا المريض كانت روحه موجودة في جسد آخر أخطأ فيه فعاقبه الله بالعمى لما صار الى جسد آخر.جوابنا عن هذا ان بعض علماء الديانة اليهودية كانوا يقولون انه في بعض الحالات قد يخطئ الإنسان وهو في بطن أمه. اضف الى هذا ان الفكر اليوناني عند افلاطون وغيره القائل بالتقمص لم يصل الى المعتقد اليهودي. واذا افترضنا ان فكرة التقمص وصلت الى التلاميذ ودانوا بها يكون هذا فكرهم هم وليس فكر المعلم، اما جوابه هو: "لا هذا اخطأ ولا أبواه" فمن باب انه يرد على تلاميذه مثلما وضعوا السؤال اي بالعبارات نفسها، ولا يتضمن هذا ان السيد يمكن تأويل جوابه على انه يتضمن عنده اعتقادا بالتقمص.
هذا التعليم يستحيل التوفيق بينه وبين تعليم يسوع عن القيامة "الذين عملوا الصالحات يقومون الى قيامة حياة والذين عملوا السيئات الى قيامة دينونة".وليس من إشارة الى ان الذين عملوا السيئات تذهب نفوسهم الى اجساد اخرى، هم انفسهم يقومون.
ان الأعجوبة المحكية مطولا لا تقتصر غايتها على سرد المعجزة، فالمعجزات السبع عند يوحنا غايتها التعليم. احدى الأفكار الرئيسية ان الفريسيين هم العميان الحقيقيون الذين رفضوا الإقرار بشيء ثابت لمجرد رفضهم ان يقوم المسيح بأعجوبة يوم السبت وهذا يوم لا عمل فيه. كذلك يقول يوحنا ان اليهود ايضا لم يصدقوا، النص اذًا يضعنا امام مأساة الذين لا يؤمنون مع ان حصول الشيء واضح. فكأن الإنجيلي يقول ان الأعجوبة بحد نفسها لا تجلب الايمان ولكن الإيمان نفسه هو الذي يهيئك لاعتبار الخارقة التي حدثت انها من الله.
والمؤسف ان الناس يركضون وراء العجائب، يريدون الأشياء الغرائبية، بعضهم يدنو من الله وبعضهم لا يدنو. والقليلون يتوبون ولا معنى إطلاقا لمعجزة لا تزيدك ايمانا.
ان صميم هذا
الفصل الإنجيلي هو اولا ما ورد في الآية الخامسة: "ما دمتُ في العالم فأنا
نور العالم". كذلك الآية 93 الواردة بعد الفصل المتلو في الكنيسة اليوم: "لدينونة
أتيت انا الى هذا العالم حتى يبصر الذين لا يبصرون ويعمى الذين يبصرون".
والمراد طبعا ان يسوع يقسم البشر الى قسمين:
وقد نعود نحن الذين آمنا به الى العمى ان قبلنا أفكارا ضد المسيح او اتبعنا من ادعى التبشير باسمه وخرج عن الكنيسة، كذلك نكون عميانا بسبب الخطيئة وهي زيغان البصر وزيغان المعرفة.
هذا الإنجيل يؤكد تأكيدا خاصا على النور الذي اعلنه المسيح بقيامته. كل هذه الفترة الفصحية كانت نورا لنفوسنا وأكدنا فيها بصورة رائعة ايماننا الفصحي. أنشدنا ألوف المرات للقيامة حتى لا تأتي الغشاوة الى ابصارنا فنبقى في ضياء المسيح الذي نلناه بالمعمودية وحافظنا عليه بالعمل الصالح وبالدراسة.
المؤسف ان درس الكلمة الإلهية في اوساطنا ضعيف، وان بعضا منا تستهويهم البدع المضلة لكونها تفتح لهم الكتب المقدسة، ان النفوس عطشى الى هذه الكلمة، فلماذا لا تتجند كل رعايانا لتعلمها ونقي بها انفسنا من الخطر؟ المسيح يحتاج الينا لنتكلم عنه بصورة وافية وعميقة. الفصح لن يدوم الا اذا دامت فينا الكلمة.
آخر مظهر للقيامة هو الصعود. وهو شبيه بالتجلي من حيث المعنى. في جبل ثابور وهنا كان السيد نيرًا، وفي ثابور كما في بيت عنيا التي منها صعد كان الحديث عن آلامه. ولكن ماذا يعني ارتفاع المسيح الى السماء اذ لم يبرح احضان الآب؟ "ان المسيح صعد الى حيث كان اولا" (صلاة المساء). صلاة المساء تقول ايضا متوجهة اليه: "أَصعدت طبيعتنا الهابطة وأجلستها مع الآب". في الخطاب الوداعي (بعد العشاء السري) يؤكد اولا: "اني انا في ابي وانتم فيَّ وانا فيكم" ولكنه يقول ايضا: "اني مُنطِلق الى الآب"... اترك العالم وأمضي الى الآب، وبعد ان قال هذا يعود الى التأكيد: "انت ايها الآب فيّ وانا فيك".
العودة الى الآب (مع كون طبيعته الإلهية لم تنفصل عن طبيعة الابن) هي اذًا رفع جسده الى الآب. "ليدخل ملك المجد" اي ليدخل بكيانه الكامل الإلهي والإنساني. ومن هذا الكيان الإلهي والإنساني معا يرسل الروح القدس الى العالم ليمتد هذا الكيان الإلهي-الانساني الموحد بالروح القدس الى الإنسانية. نحن بالنعمة نأخذ المسيح الكامل، والأسرار الإلهية يتقبل من يساهمها المسيح الكامل، لذلك يمكن الكنيسة ان تكون جسده اي واحدة مع القائم من بين الأموات بجسده.
"واما انه صعد فما هو الا انه نزل ايضا (اولا) الى اقسام الأرض السفلى (اي الجحيم التي هي مملكة الموت). الذي نزل هو الذي صعد ايضا فوق جميع السموات لكي يملأ الكل" (افسس 4: 9و10). ولكن قبل ان ينزل الى الجحيم نزل الى الإنسان بالتجسد والميلاد ولازم الإنسان. عندنا حركة نزول الى البشرة ثم الى الموت تقابلها حركة ارتفاع عن الموت بالقيامة التي يليها الصعود.
غاية ذلك كله ان نكتمل نحن، ان نتحرك الى ما سماه الرسول "انسانا كاملا" حتى نبقى في دوام التوجه الى "ذاك الذي هو الرأس المسيح". صعوده وحركتنا اليه والى ابيه وروحه هذا ما ينشئ الكنيسة، هذا ما يبنيها ويبني كل واحد فيها.
فاذا فهمنا هذا نعرف اننا منذ الآن جالسون معه في السمويات وان وطننا صار السماء وأنها هي مطلبنا. فالأرض مكان ارتقاء اليها. فكرنا لا يتكون الآن من الأرض وما عليها ولكنه اصبح فكر المسيح. ومهما تقلبت على الدنيا شؤون وشجون نعرف ان المسيح لكونه يحبنا هو الذي يهيمن علينا ونسعى الى هيمنته هذه بالطاعة لكلماته. بها يثبت فينا ونحن فيه. كل شيء فينا قد صار جديدا ولو كنا نتعاطى الأشياء المعروفة منذ القديم (الحياة العائلية والفكرية والاقتصادية والسياسية). الرب لا يريد ان نتركها اذ لا بد ان نأكل ونشرب ونبني عائلة ونقوم باعمالنا المختلفة ونحيي المجتمع بتداول شؤونه. ولكن اذا عملنا كل هذه الأشياء نحيا حياة الجالس عن يمين الآب. نكون على الأرض ونحن سماويون. في هذا المنطق لا نحتقر الجسد كما احتقرته بدع قديمة والحركات البوذية ولا نذله ولا نهمله ولا نستسلم للمرض ذلك لأن "اجسادكم هي هياكل للروح القدس" وقد مُسحت بالميرون وتناولت القرابين. وبسبب القرابين التي فينا نقوم في اليوم الأخير. اجسادنا ونفوسنا معا مشدودة الى الجالس فوق على العرش مع أبيه وروحه القدوس.
ولكون جسد المسيح صار ممجدا وإلهيا نحترم اجساد الآخرين فلا نقهر احدا ولا ندنسه لا بروحه ولا بجسده بل ندعوه بالمحبة ان يصير مقدسا مستمعا الى كلام يسوع ومرتقيا منذ الآن اليه.
الصعود كان اذًا مفتاح سلوكنا وسبب انجذابنا الدائم الى يسوع، لذلك اوصانا بولس ان نطلب دائما ما هو فوق فلا ينبغي ان نهتم بالصغائر ولا ننهمك بالمجد العالمي الذي يحجب عن قلوبنا المجد الإلهي. لقد جئنا من فوق بالخلق ونعود الى فوق بآلام السيد وقيامته وصعوده.
إنهم آباء المجمع المسكوني الأول ويقال له المجمع النيقاوي لكونه انعقد في مدينة نيقية في آسيا الصغرى بدعوة من الملك القديس قسطنطين وذلك بسبب ظهور بدعة آريوس الذي علّم ان الابن مخلوق بقوله: "كان زمان لم يكن الكلمة فيه". خضت الكنيسة خضة كبيرة لأن ايمانها قائم على مساواة الابن للآب اي على ازلية المسيح.
ووضع الآباء دستور الايمان الذي نتلوه أساسا في المعمودية ثم في القداس الإلهي: "اومن بإله واحد آب...". بعض اجزاء هذا النص كانت معروفة في المعموديات، غير ان الجديد فيه انه نَحَتَ عبارة "المساوي للآب في الجوهر". هذا النص حدد العقيدة. فإن تلوته فأنت مسيحي. عند الأزمات الكبرى توضح الكنيسة ايمانها بعبارات نسميها عقائد مستندة كلها الى الإنجيل فيأتي الدستور وكأنه مصكوك ليصوننا من الخطأ ونقف عنده ولا نخترقه. انه حدّ وانت ضمن الحدود. هكذا تحصن الكنيسة إيمانها.
الكنائس المسيحية كلها يوحد بينها هذا الدستور. انطلاقا منه جاءت المجامع الأخرى لتوضحه. فالمجمع الثالث مثلا عندما حدد ان مريم هي "والدة الإله" قصد ان الذي في احشائها هو نفسه الإله-الابن وفي ذلك رد ضمني على من خالف ذلك. كذلك المجمع الرابع بقوله ان المسيح ذو طبيعتين إلهية وانسانية كان يخشى قول القائلين ان المسيح لم يكن بشرا حقيقيا بل شبح بشر واراد ان يؤكد ان ليس من اختلاط بين إلهيته وبشريته. غير ان هذه العقائد اللاحقة للمجمع المسكوني الاول بقيت محفوظة وانتقلت الى الصلوات والتعليم دون ان نمس دستور الإيمان.
اليوم بدعة آريوس (المسيح مخلوق) يجددها شهود يهوه. يقعون اذًا تحت تكفير المجمع لآريوس. من هنا انهم خطر مباشر علينا. ومن هنا ان ليس من كنيسة واحدة تعترف بهم، وان السلامة تقضي بألاّ نستقبلهم في منازلنا ليتكلموا.
آباء المجمع نقول لهم "آباء قديسين" فقد خرجوا من السجون وجاء هذا بعين واحدة او يد واحدة او ساقٍ واحدة. جاؤوا بعد ان ادوا الشهادة. من هنا أنه ليس من معنى اذا أَديتَ شهادة لاهوتية ولم يأت سلوكك مطابقا لإيمانك. نحن نقيم ذكرى الآباء ونرجو ان نتشبه بقداستهم، اذ ليس المهم ان نفتخر بهم ولكن ان نماثلهم في كل شيء.
هذا يضع مسؤولية على الكهنة بنوع خاص، فالكاهن لا يصير ابا روحيا عند رسامته. يجعله الله أبا اي مولدا الآخرين بالروح القدس. فليس له سلطان من نفسه ولكن من الروح القدس. وعندما يلاحظ الأسقف ان الكاهن بلغ هذه المرحلة من الحياة الروحية يخوله ممارسة التوبة.
انت، كاهنا، تقول كلام المسيح وتطلب طاعة له لا طاعة لكل ما يجول في فكرك. انت لا تتحرك تجاه احد المؤمنين الا بوحي الروح. تتحرر من التسلط اي فرض الرأي الشخصي. واذا اظهر لك احد المؤمنين انك على خطأ تقبل ذلك بتواضع لأن المهم ان ينتصر الله. انت تجلس على كرسي الرسل بمعنى انك تسلك كما سلكوا. فاذا اقمت نفسك في حضرة الله وطاعة كلمته لا يكون عندك ردة فعل او انفعال. اذا جئت من فوق تحضن جميع الناس كما حضنك المسيح.
اليوم نعمة الروح القدس جمعتنا
في التقليد الشريف اليوم يبدأ تاريخ الكنيسة، ونحن نعيّد اليوم بالضبط لنزول روح الحق وابتداء الكنيسة المقدسة، وكلما سمعتم بسر إلهي : المعمودية الشريفة، الميرون المقدس، المناولة المقدسة، الزواج المبارك، الكهنوت...قولوا أنه ما كانت لتكون ممكنة لو لم يكن الروح القدس قد اتى ليتممها. ليس من معمودية بدون الروح القدس ولا من ميرون ولا من زواج بدونه، ليس من تحوّل إلى جسد الرب ودمه الكريمين بدون الروح القدس، وليس من اجتماع حقيقي بدون الروح القدس.
المهم أيها الأحباء أن نظل شاخصين إلى السماء من حيث " يأتي عوننا " من حيث تبادر إلينا معونة الله المنقذة إيانا دائماً، ولكننا لا نعتبر أن الرب غادرنا وتركنا نتخبط لوحدنا، لم يتركنا، سننظر بأعين إيماننا وسنراه كما أكد لنا.سنراه في الكلمة الإلهية التي نرجو أن تدخل في أعماق نفسنا، سنراه في الاجتماع الشكري الذي يتم في كل قداس إلهي ونحن ملتفون حول مائدته السماوية لنتحد بجسده ودمه الكريمين فتحيا نفوسنا، وسنراه في الأخوة - أي جميع الناس - لأنه هو الذي فك أغلال قوقعتنا على نفوسنا، سنراه في البشر أجمعين وبنوع خاص في أولئك الذين وحّد نفسه بهم وإذا التفتنا إليه سنقول له: أنت معنا كما وعدتنا فلن نخاف أبداً. تعال أيها الرب يسوع، آمين. الحقوق محفوظة لصاحب المقال و لشبكة القديس سيرافيم ساروف الأرثوذكسية في البدء كان هذا العيد عند العبرانيين عيداً أرضياً – زراعياً، عيد الحصاد، "عيد حصاد بواكير غلاتك التي تزرعها وعيد الاستغلال عند نهاية السنة عندما تجمع غلاتك" (خروج 16:23) وكان يدعى أيضاً عيد الأسابيع (خروج 22:34)، أي سبعة أسابيع من وقت "شروع المنجل في الزرع". ثم تطور العيد وأصبح ذكرى نزول الشريعة في طور سيناء، بعد خروج الشعب من مصر، ابتداءً من القرن الثاني قبل الميلاد لأن الشريعة أعطيت خمسين يوماً من بعد الفصح، أي عبورهم من أرض العبودية إلى صحراء الحرية. ولذلك أعطى الأصل اليوناني للعيد Pentecôte في الفرنسية ويتضمن معنى الخمسين. أما كلمة "عنصرة" فهي لفظة عبرانية بمعنى اجتماع أو محفل. العنصرة مع عيدَي الفصح والمظال تعتبر من أهم الأعياد في إسرائيل، إنه اليوم الذي يختاره الرب لكي يسكن اسمه مع شعبه في المكان الذي يحدده هو أيضاً لهم (تثنية 6:16و11).
أما الرسل فكانوا مجتمعين لذكرى يوم الخمسين بالذات، منتظرين موعد الروح "بعد قليل ستعمدون بالروح القدس" (أعمال 5:1). فمعنى العيد مسيحياً هو عطاء الروح القدس "الناموس بموسى أعطي أما النعمة والحق فبالمسيح صارا" (يوحنا 17:1). إنه يوم انصبَّ فيه عطاء الروح السخي على الكنيسة الممثلة بمحفل الرسل. حزقيال النبي كان قد تحدث قديماً عن الروح الذي يخلق الكائنات ويحركها، فيتملك بالإنسان ليزوده بسلطة جديدة فائقة الطبيعة! وكان يتكلم عن الأيام الماسيانية فيصفها كفترة تتميز بذلك الفيض من الروح. إذاً فكرة الروح القدس لم تكن غريبة عن الشعب العبري المثقف الذي كان يقرأ النبوءات. أما نزول الروح القدس مع ما اصطحبه من عاصفة ونار يندرج في سلسلة ظهورات الرب في العهد القديم ويتوجها! العجيبة مزدوجة، الحدث نفسه معجزة ونتيجته معجزة إذ ابتدأ الرسل يتكلمون "بألسنة" ليخبروا بعجائب الله. ويبدو أنه، بعد العنصرة، كثرت في الكنيسة الناشئة تلك الظاهرة الجديدة وهي التكلم "بألسنة" وهي نوع من نبوءة. يحذر بولس الرسول المؤمنين من مزايداتها! (1كورنثس 1:14-25).
فالعنصرة إذاً تتويج للفصح، لأن المسيح بعد أن أنهى عمله على الأرض، وانتقل إلى يمين الآب، أرسل الروح القدس على المجموعة الرسولية وبواسطتهم لكل المسكونة، لكي ينير أذهانهم فيفهموا الكتب ويدركوا في العمق أقواله التي ألقاها عندما كان معهم. حققت العنصرة في أورشليم الوحدة الروحية بين اليهود والأمم، إنها دعوة مباشرة للأمم (أعمال 8:1). التفرقة التي حصلت في برج بابل قديماً عندما تبلبلت الألسنة وابتعد الإنسان عن الآخر، أصبحت الآن وحدة لأن الجميع فهموا ألسنة الروح التي هي القاسم المشترك لدى جميع الشعوب. العنصرة اعتماد للرسل بالروح قبل ابتداء مهمتهم التبشيرية كما أن المسيح اعتمد بالروح على يد يوحنا المعمدان قبل حياته الكرازية: إنها تنصيب رسولي في الكنيسة. هذا الفيض من الروح سيصل إلى الجميع ليعطيهم هبات متنوعة وخاصة لكل واحد منهم. وعلاوة عن هذا، سيكون الروح القدس لكل إنسان سبب تغيير داخلي يحصل بصورة سرية، وتجديد عميق يجعله يستوعب الشريعة الجديدة التي حفرت في القلوب. إنها المعاهدة الجديدة التي نزلت كماء مخصبة تثبت أثمار الحق والعدالة والقداسة وتضمن الرعاية الإلهية وحمايتها. أما هذا الفيض فلم يتحقق إلاّ بواسطة الجلجلة والقيامة التي كسرت السدود ففاضت النعم.
لنلق الآن نظرة على أيقونة العنصرة الموجودة في أحد أديرة جبل آثوس والتي هي على الأرجح من القرن السادس عشر. إنهم الرسل الإثناعشر والآعداد: اثنا عشر، سبعة، أربعون هي أعداد كتابية مقدسة. اثنا عشر هو عدد أسباط إسرائيل وهذا يعني أن الرسل هم أسباط اسرائيل الجديد، أي دعائم الكنيسة التي تتأسس. |
|||||||||||||||