|
|
||||||||||||||
|
|
||||||||||||||
|
الـخـتان المسـيحـيّ "أمّا أنا فحاشى لي أن أفتخر إلاّ بصليب ربّنا يسوع المسيح" يلخّص هذا النصّ التناقض الكبير بين بولس وبني جنسه، اليهود آنذاك، الذي أدى إلى معركة طويلة بين الجبهتَين. ويدور الخلاف حول موضوع الختان. كان الختان علامة لانتماء الفرد إلى اليهوديّة، وبدونه لم يكن يحقّ الاحتفال بالفصح. وتأخذ كلّ الأديان والحركات الاجتماعيّة رموزاً وعلامات تشير إلى فرادتها وميزتها. هكذا كان الختان رمزاً للعهد الذي يقوم بين الله وشعبه في العهد القديم. فما تلك العلامة المقابلة للختان اليهوديّ في المسيحيّة؟ إذن ما هي العلامة التي بدونها لا يمكن للإنسان أن يكون مسيحيّاً؟ هناك عدّة رموز وكثير من الطقوس في المسيحيّة، ومنها إشارة الصليب والأعياد...، لكن يمكن لمسيحيّ ألاّ يحمل على صدره صليباً ويبقى مسيحيّاً مثلاً. أمّا المعموديّة فهي العلامة التي لا يمكن لأحد أن يكون مسيحيّاً بدونها. لكنّ هذه العلامات، الختان في العهد القديم والمعموديّة في العهد الجديد، عندما تفقد معناها العميق تنقلب إلى قشور وعادات خارجيّة قد تعيق ما كانت تشير إليه! وهذا ما حصل فعلاً مع الأغلبيّة من اليهود في زمن بولس الرسول. لذلك يقول: "لأنّ الذين يختنون أنفسهم لا يحفظون الناموس"، الذي من أجله صار الختان. وهكذا دواليك قد نجد العديد منّا، لا يحفظ شيئاً مما يترتّب عن معموديّته! أو مجرّد القليل جدّاً. وهكذا يحقّ لكثيرين أن يطرحوا السؤال: ما الفارق بين معمَّد وغير معمَّد؟ المعموديّة ليست ختماً على جبهة ولا علامة في أعضاء. المعموديّة تفتح لنا الباب للعيش في الكنيسة. لذلك لا تُدخلنا المعموديّة في حالة ثابتة (حالة معمّدين)، وإنّما إلى حالة ديناميكيّة (حالة مجاهدين). لهذا عندما يشبّه الربُّ يسوع ذاته بالكرمة ويشبهنا بالأغصان يقول "اثبتوا فيَّ"، "مَن يثبت فيَّ يأتي بثمر كثير". فهذه العلامة ليست مزيّة بقدر ما هي مسؤوليّة. جهاد المسيحيّ هو أن يحافظ على ثياب المعموديّة نقيّة. جهادنا أن نصير "الخليقة الجديدة" التي وُلدت يوم المعموديّة؛ وهذا يعني أن نقتل الإنسان القديم ليحيا الجديد، ليس مرّة، يوم اعتمدنا، لكن كلّ لحظة، وطوبى لمن يصادفه الموت وهو تائب. بالطبع لا يكفي أن نحمل الصليب أو أن نتشارك ببعض الأعياد أو أن نسمّى مسيحيّين، لكي نعطي "علامتنا"-المعموديّة حقّها. حين نقول إنّ المعموديّة تُدخلنا إلى الكنيسة وتجعلنا أعضاء جسد المسيح، فهذا لا يعني أنّنا ثبتنا في هذا الجسد إذا لم نحيا حياته ولم نلتزم آدابه. فإن فتحت لنا المعموديّة المجال لكي نحيا حياة الكنيسة، علينا ان نثبت في هذه الحياة لكي يبقى لهذه "العلامة" معناها ولا تفرَّغ من مضمونها، فيحقّ علينا تأديب بولس الرسول الذي وجَّهه بموضوع الختان نحو اليهود آنذاك. أخذنا ختاننا الروحيّ- المعموديّة، وهذا يعني أنّنا اندرجنا في حياة الخليقة الجديدة، وصرنا أعضاء جسد المسيح-الكنيسة. كلّ ذلك يقتضي أن نلتزم بآداب هذا الجسم وبحياته. آداب الكنيسة هي فضائلها، أي الصوم والصلاة والإحسان والتواضع. إنّها تلك الآداب "الغريبة" التي سمّاها بولس الرسول "عثرة لليهود وجهالة للأمم". إنّها آداب شكلها شكل صليب في العالم. لخّص يسوع آداب تلاميذه بالتطويبات الثمانية في فاتحة موعظته على الجبل، موعظة شكّلت البديل عن لوحَي العهد اللذَين حملا الوصايا العشر، واستلمها موسى على الجبل. هذه فضائل وآداب المسيحيّ، الوداعة، نقاوة القلب، الحزن من أجل البرّ، تحمّل الاضطهاد من أجل اسم يسوع... حياة الكنيسة هي طقوسها. فكيف نكون مثلاً في الكنيسة،حين تكون الكنيسة صائمة ونحن غير صائمين؟ واليوم نحن في صوم الميلاد، كيف نكون ثابتين في جسد حين نكون في الزمن خارج هذا الجسد؟ كيف نكون في الكنيسة عندما تكون الكنيسة ملتئمة حول الكأس المقدّسة في القدّاس الإلهيّ ونحن بعيدين عنه، ولأسباب غير مقبولة؟ تتمحور حياة الكنيسة حول طقوسها، وتعيش على أسرارها، سرّ التوبة والشكر بشكل خاصّ. ماذا يعني "الانتماء" للكنيسة حين لا نحيا فيها في الزمن، أي لا نمارس طقوسها. وحين لا نحيا من مصادر حياتها، أي الأسرار المقدسة. الكنيسة ليست، كما تفسرها بعض الطوائف البروتستانتية، أن نفهم الكتاب المقدس ونحفظ بعض الوصايا. الكنيسة هي حياة مؤمنين يتقدّسون حول سيدهم معاً ويعيشون على "الخبز الجوهري". ليست المسيحيّة ديناً فرديّاً، يقرأ كلٌّ بمفرده الكتاب ويحفظ حدود الشريعة-الجديدة، فيقوم ببعض الإحسان ويتجنّب "الخطيئة". هذه صور عن مفاهيم مجتمعاتنا ومدنيّاتنا الحديثة، التي نسيت أنّ الله هو ربّ "عائلة" وليس قاضٍ على "أفراد". "ليس الختان بشيء" يا لها من عبارة صاعقة للإنسان اليهوديّ. مثلها عبارة "ليست المعموديّة بشيء"! بل الخليقة الجديدة، يقول بولس الرسول لليهود ولنا. الخليقة الجديدة هي الواقع والمعموديّة هي علامتها، أي مدخلها. دون هذه الحياة الجديدة يصير "الانتماء" للكنيسة "طائفية"، تقسّي قلوبَنا وتزيد الشقاق بين كنائسنا من جهة وتجاه الأديان الأخرى، الإسلام وسواه، من جهةٍ أخرى. أمّا الحياة الجديدة، الملتزمة بممارسة الفضائل المسيحيّة والمتدرّجة في الزمن على عتبات الطقوس والأسرار الكنسيَّة، فهي تنفتح على الآخر، وتستحقّ علامتها، ويفهم الناس علامتها من ممارستها، ويبدو واضحاً بعدها أنّ هذا معمَّد وذاك غير معمَّد، وأنّ هناك فارق في الحياة التي ما دون المعموديّة والتي ما بعدها. لا تفسَّر المعموديّة إلاّ إذا حمل صاحبها في داخله "سمات يسوع"، كبولس الرسول، أي الأتعاب والسهر والصوم والصلاة والسعي للبشارة من جهته. فليثبت العضوُ بالجسد والغصنُ بالكرمة، لنشرب دماً مهراقاً وجسداً مكسوراً لمغفرة الخطايا ولعهد جديد، آمين.
المطران بولس يازجي |
|||||||||||||||