|
|
||||||||||||||
|
|
||||||||||||||
|
الثَالوث القدوس " ..أؤمن بإله واحد، الله الآب....وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور ... نعم أؤمن بالروح القدس الرب المحيى المنبثق من الآب..."
* ليس الثالوث فلسفة: إن الكثيرين من المسيحيين يظنون أن عقيدة الثالوث هي نظرية فلسفية وهى قضية معقدة لا يفهمها أحد، وبالتالي هي موجودة ونقول بها، إلا أنها لا تمت بصلة إلى الناس وإلى ما يعيشون... ولكن عندنا القديس " إغريغوريوس اللاهوتي" الذي يقول: " الثالوث فرحى"... إذً، وُجِدَ أناس ليس الثالوث بالنسبة إليهم شرحا فلسفيًا، ليس تعليما للأذكياء ولكنه حياة تُعطى للناس جميعا، وكل الناس يمكنهم الاشتراك في حياة الثالوث... ليس عند المسيحيين تعليم إلا وله علاقة بحياة البشر الأقرب إلى معيشتهم، ليس المسيحيون فلاسفة وليس ثمة عنصر فلسفي في دياناتهم، وهم يُجلّون إيمانهم عن أن يكون فلسفيًا... هذا يعنى أنه ليس هناك عنصر أرضى يكوّن إيمانهم... هم يقولون أن الألف والياء في إيمانهم هو الثالوث القدوس... وبالتالي، لا مهرب من أن نواجه هذا الذي يقال عنه في المسيحية أن البداية والنهاية...
* ما ينسب للإنسان لا ينسب لله: يجب القول، بادئ ذي بدء، تمهيدًا لبسط العقيدة، أننا إذا تحدّثنا في الله فإنما يكون للكلمات معانٍ غير المعاني المألوفة... الله يُتَحّدث عنه بتنزيهه عن المخلوق... الله ليس مثله شيء، ليس مثله مخلوق... فالحديث عنه، إذً، بكلمات - طبعا لا يستطيع الإنسان إلا أن يتكلّم، وهذا العلم الإلهي نقول عنه إنه التكلّم بالإلهيات - ولكن، حتى إذا تكلمنا في أمور الله فنحن نضمّن الكلمات معاني غير المعاني المعروفة، له، طبعا، صلات بالمعاني المعروفة ولكنها غيرها في النهاية... مثلاً: إذا قلنا أن هذا الإنسان واحد وليس اثنين فليس بهذا المعنى نقول إن الله واحد. الله واحد ولكن ليس تشبيها بأن هذا من الناس وذاك هو واحد. هناك، طبعا، شيء من القرابة بين أن الله واحد وأن هذا من الناس وذاك واحد. ولكنها فقط قرابة. لا نعنى الشيء نفسه إذا قلنا واحد عن إنسان وإذا قلنا واحد عن الله. ليس هناك مدلول واحد. عندنا مدلولات مختلفة. إذا قلنا أن هذا الإنسان جميل، بمعنى أن ثمة تناسقا بين عينيه ومنخريه وفمه وقامته... الخ. فليس بهذا المعنى نقول أن الله جميل...
ماذا نعنى عندما نقول أن الله جميل؟... هذا يفرض حركة في القلب، حركة تطهّر كبيرة... وندرك في الصلاة، في التأمل الروحي، أن الله جميل... الله هو الذي يُتصل به ويُعبد وفى النهاية، لا يُتكلم عنه... ولكن لابد من الكلام... فنقول، إذًا، كلاما منزها عن الكلام البشرى... نقول عن الله ما ليس هو، ولا نقول عنه ما هو... نقول، مثلاً، الله ليس بواحد، ليس بجميل وليس بموجود، إذا كان الإنسان موجودًا بمعنى أن له عظاما ولحما ونفسا... الخ... أي أننا إذا حددنا كيان الإنسان فليس بهذا المعنى الله موجود... ولا يمكننا، بمعنى من المعاني، أن نتكلّم عن الله مثلما نتكلّم عن الإنسان... صحيح أن الله موجود أي هو قائم، ولكن هل هو موجود مثلما الإنسان موجود؟... كلا... دائما هناك كلا عندما نتكلّم عن الله... ليس هو موجودًا بنفس الوجود الإنساني... إذا كان للإنسان جوهر، فهل لله جوهر؟... نقول في نشيد الميلاد: { العذراء تلد الفائق الجوهر }... لم نقل أن له جوهرًا ولكن أنه يفوق الجوهر... فإذًا، إذا كان الإنسان ذا جوهر فالله ليس ذا جوهر... ما يُنسب للإنسان لا يُنسب لله... الله يُنزّه دائما ويُرفع ويُعلى...
* الثالوث يتعدى العدد: بناء على ما تقدّم... إذا قلنا أن الله مثلّث الأقانيم، وإذا قلنا أنه واحد في الجوهر فهذا ليس معناه، على الإطلاق، أنه هو ثلاثة و أنه واحد... ليس هو ثلاثة بمعنى العدد... العدد لا علاقة له بالله... لا يستطيع الإنسان إلا أن يعدّ المحسوسات... الله لا يُعدّ لأن من عدَّه فقد حَدّه... وذلك، عندما يقول شهود يهوه والمسلمون و اليهود، عندما يقولون عنّا أنّ عندنا ثلاثة آلهة، لأننا نقول: واحد وثان وثالث، ( وهم يعنون بذلك أن عندنا ثلاثة آلهة )... فالجواب على ذلك هو أننا لا نعدّ الله ثلاثة... ليس هذا عدًّا... أحدهم اسمه الآب وأحدهم اسمه الابن وأحدهم اسمه الروح القدس... إذ أنه يُجاب على المسلم واليهودي وشهود يهوه بأنه إذا كان إلهك واحدًا وأنت تعدّه واحدًا فهذا كأنك تعدّه ثلاثة وأربعة وخمسة عشر...الخ... لأنك إذا عدَدْته واحدًا معنى هذا أنك حدّدته بواحد... الله لا يُحَدّ... فإذًا، واحد ليس أقل من ثلاثة... إذا كان ثلاثة عددًا فواحد عدد أيضًا... الله ليس واحدًا إذا قصدنا بهذا أنه ليس اثنين... هو واحد، هكذا قال عن نفسه بمعنى لا أعرفه عقليا ولا يمكن أن أعرفه عقليا... ولكن هكذا كشف هو نفسه... وأنا أستطيع، بالاتصال الروحي، بالصلاة، بخيرة القديسين وخبرة الجماعة أن أذوق كيف هو ثلاثة، كيف هو واحد... ولكن يبقى أن القضية ليست إحصاء...
* موقف روحي صوفي: تلاحظون أننا أرجعنا الآن إلى موقف روحي، صوفي، إلى موقف يفوق كل إدراك عقلي، لأننا نحن لا نستوعب الله ولكنه هو يستوعبنا... وبالتالي لا مبرر للسؤال: كيف أن الثلاثة واحد والواحد ثلاثة؟... لأنه ليس همّي أن أفهمك هذا ولا يمكنك أن تفهم هذا... وأكثر من ذلك لا يمكنك أن تفهم، حتى، كيف أن الله واحد؟... ولكن عقل الإنسان حسابيّ وهذا بالنسبة إليه بسيط أكثر من أن تجعله يقارن بين شيئين فيلتبس عليه الأمر وتتعقد بساطته العقلية... ولكن، في حقيقة الحال، عقليا، الواحد ليس أبسط من ثلاثة... ويبقى فهمك للواحد على نفس صعوبة فهمك للثلاثة... فإذًا، لا يفتخرن أحد علينا بأن عنده ديانة عقلية... وهل فهم أنّ الله واحد هو موقف عقلي؟... كل وجود الله، في الأساس، ليس عقليا... العقل البشرى لا يفرض عليك الوجود الإلهي... ويرتاح العقل البشرى، كليا، إنّ بوجود الله و بعَدّ وجوده... إذ يمكن لهذا العقل أن يصعد إلى القمر وأن يصنع مختبرات وصواريخ سواء كان الله، بالنسبة إليه، موجودً وغير موجود... ولا يستطيع العقل البشرى، بقدرته الوحيدة، إلا أن يعدّ... والفيزياء الصحيحة والسليمة هي، في النهاية، العدّ، هي حساب... كلّ شيء ليس هو حسابا ليس علما... كلّ شيء ليس هو حسابا ليس معرفة... الله ليس حسابا لذلك فهو لا يُعرَف ولا يستدلّ عليه...
* من هو إله المسيحيين؟: في سفر الرؤيا آية تقول عن المسيح أنه: [ وسيَسجُدُ لَه أَهلُ الأَرضِ جَميعًا، أُولئِكَ الَّذينَ لم تُكتَبْ أَسْماؤُهم مُنذُ إِنْشاءِ العالَمِ في سِفرِ الحَياة، سِفرِ الحَمَلِ الذَّبيح ] [ الرؤيا 13: 8 ]... إذًا، قبل أن يخلق الله العالم كان عنده في جوفه حمل مذبوح وهو الابن الذي أعدّه لخلاص العالم... هذا قبل أن يُنشأ العالم... هناك، إذًا، عملية حُب في داخل الثالوث... الله أعدّ ابنه ليكشف للعالم بأنه محبوب، أي بأن العالم هذا محبوب... ويحذرنا الآباء، طبعا، من أن نتحدّث في الثالوث القدوس إذا كنا نريد أن نتكلم عن علاقة الله بالعالم... هذا الحديث، يقول الآباء، هو خارج عن المبحث الثالوثى... ثمة علم اسمه " الثيولوجيا" وهو الكلام عن الله في أزليته، بحد نفسه... وثمة علم اسمه " إيكونوميا" وهو التدبير، أي هو كيف أن الله يريد أن يدبر هذه الدنيا عن طريق الخلاص... ويقول لنا الآباء، أيضًا، أن البحث في " الثيولوجيا" هو غير البحث في ال " إيكونوميا" أي في تدبير الخلاص...
الإله الواحد الأحد لا يُحبّ... " الواحد" تعنى في العربية، واحدًا بالعدد، و" الأحد" تعنى الذي ليس بعده ثانٍ، هذا في العربية... { قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد }... هذه آية من سورة " الإخلاص" وليست هي، في الحقيقة، موجهة ضد المسيحيين... ليس معناها أنها تنكر الابن والروح القدس... إذا أخذناها نصا فقط وليس بمدلولها القرآني، يمكننا أن نقول، من حيث النص، أن الإله الأحد أي المنغلق على نفسه، المحدود بأحديته، هذا الإله لا يلد ولا يولد، أي أنه لا يحب ولا يُحبّ... عندما يكون الواحد واحدًا فقط وغير قادر أن يصير اثنين وأن يحاور شخصا أمامه فهو ليس منفتحا... حتى الراهب الساكن في صومعته هو في حوار مع المؤمنين الذين ليسوا معه في صومعته، ذلك أنه يصلّى من أجلهم ويصلون من أجله...
لا يوجد إنسان طالع من صخر... كلّ إنسان يحاور حتى يوجد... قبل أن يحاور ليس هو موجودًا... الله موجود لأنه يحاور، لأنه غير منغلق على نفسه، لأنه فاتح نفسه... هذا الإله الفاتح نفسه للحديث، لحديث حبّ - ولا حديث غير هذا - هذا الإله هو الآب وهو مصدر الوجود الإلهي، أي مصدر اللاهوت، مصدر الألوهة... قبل أن يكون العالم وبالاستقلال عن العالم الله قائم... كان يمكن للعالم ألا يكون... العالم موجود عرضًا ويمكن أن يُفنى، يقول العلماء أنه سيُفنى... الله موجود بصرف النظر عن العالم، عن وجود العالم وزواله...
* الابن مولود من الآب والروح القدس منبثق من الآب: هذا الإله الموجود، القائم في نفسه والمنفتح من نفسه أيضًا، هذا الإله الذي لا بدء له ولا نهاية ولكنه بدء كل شيء ونهاية كل شيء، هذا الإله، قبل أن يَخْلق وبالاستقلال عن الخلق، جاء منه الابن، فاض منه الابن - الكلمة، وفاض منه، أي من الآب، أيضا الروح القدس... والكلمات التي تُستعمل في التراث المسيحي، في هذا الشأن، هي أن الآب غير مولود وغير منبثق - هذه صفته الخاصة به والتي تميزه عن الابن والروح - والابن مولود من الآب، والروح القدس منبثق من الآب... هاتان الكلمتان - مولود ومنبثق - موجودتان في الكتاب المقدّس... نحن نعرف أن الابن مولود من الآب وقرأنا أن الروح القدس منبثق من الآب... ما هو الفرق بين المولود والمنبثق؟... هذا ما لا نعرفه... هذا النشوء: نشوء الابن عن الآب ونشوء الروح القدس عن الآب، هو نشوء أزلي، أي بلا زمان، قبل الزمان، لأن الزمان مخلوق... قبل الزمان وبدونه، بدون انفعال، بدون مخاض وبدون أزمة، صدر الابن عن الآب وصدر الروح القدس عن الآب... هذا بدون بَعْدية، أي أن الواحد لا يأتي بعد الثاني في الزمن... من هذا القبيل فإن هذا لا يُشَبّه، إطلاقا، بالولادة الجسدية لأن الأب الجسدي هو قبل ابنه، فبينهما إذًا بَعْدية... ليس من بَعدية بين الآب والابن... فالواحد ليس قبل الثاني في الزمن... ولكن، إذا صحّ التعبير، يمكننا أن نقول أن الآب هو قبل الابن ليس بالزمان ولكن بالنطق، أي بالتسلسل، بتسلسل غير زمني... الآب قبل الابن بالنطق لا بالزمن أي أن الواحد يجئ من الثاني... ولكن نعود فنقول، أنه مذ كان الآب في الأزل، كان ابنه معه وكان روحه معه... فإذًا، ليس بينهم انفصال ولا فجوة ولا بُعد ولكن، في نفس الوقت، الواحد ليس الآخر... الآب ليس الابن، والابن ليس الروح القدس، والروح القدس ليس الآب، ولكنهم الكل في جوهر واحد... هناك تمايز - وهنا يمكن أن تكون كل الكلمات ثقيلة جدًا - بينهم، تمايز بلا أفضلية... التمايز يعنى في اللغة العربية، أن الواحد غير الثاني... الآب لا يمكن أن يكون الابن، ولا الابن الروح القدس’ ولا الروح القدس الآب، العلاقة بينهم علاقة الصدور... الابن صدر عن الآب والروح القدس صدر عن الآب، الابن بالولادة والروح بالانبثاق وما يجمعهم هو الجوهر الواحد... الذي يجمع الأقانيم الثلاثة هو الجوهر الواحد و الطبيعة الواحدة... أي أن كل ما بينهم مشترك ما عدا صفات تخص الأقنومية... كل ما بينهم مشترك ماعدا الصفات الأقنومية... الجلسة واحدة أي الملوكية واحدة والربوبية واحدة، وباللغة الإسلامية، الحاكمية واحدة ... والخالقية واحدة أي أن الثلاثة اشتركوا في خلق العالم... كل هذه العبارات تأتى تحت كلمة الربوبية... الربوبية، الأزلية، الأبدية، الرحمة، المحبّة... الخ، كل الصفات مشتركة ما عدا الصفات الخاصة بكل منهم... أي أن الصفة الخاصة بالآب هي الأبوة، أي هو غير مولود وغير منبثق، وهذه هي صفة الأقنومية للآب... والصفة الأقنومية للابن هي المولودية، أي أنه مولود... والصفة الأقنومية للروح القدس هي الانبثاق، أي أنه منبثق... فإذًا، كل ما بينهم مشترك عدا الصفات الأقنومية... وهذه قاعدة أساسية في اللاهوت المسيحي...
لذلك ترون في الإنجيل أحاديث وأن هذه الأحاديث تدور، تارة، على الابن مولود من الآب وإذًا، هو خاضع للآب وعائد إليه - هذا في موضوع التجسّد - وتارة تدور هذه الأحاديث على التساوي بينهما... ثمة أحاديث، إذًا، تدلّ على التساوي بين الآب والابن... وثمة أحاديث أخرى تدلّ على أن الابن مولود من الآب وبالتالي على أنه تابع من حيث أنه ليس هو المصدر ولكنه آت من المصدر بدون زمان... هو تابع ليس لأنه عبد للآب بل بمعنى انه متصل بالتبعية... الابن والروح القدس متصلان بالتبعية مع الآب بلا زمان، بلا تفريق، بلا فجوة وبلا بُعد... ولكن هناك ثانٍ وثالث مقابل الأول وهو الآب الذي يبقى مصدرًا للاهوت...
علينا، إذًا، أن نستوعب في نفسنا المؤمنة، وفى نفس الوقت، أن بين الأقانيم الثلاثة تساويًا، ولذا، فثمة أحاديث تدور حول التساوي... وأن بينهم تستسل وارتباط وصلة ولذا، أيضًا، ثمة أحديث عن الصلة... من أجل ذلك مردودة هي هذه الدعاوى: كيف يتكلم عن الآب أنه أهم من الابن وأعلى منه وأن المسيح يظهر نفسه بأنه خاضع؟.... المسيح خاضع لأنه تابع، لأنه ابن، والمسيح خاضع أيضا، فيما بعد، في الإنجيل، لأنه تألم، لأنه إنسان، ولكن ليس فقط لأنه إنسان، بل أيضا، لأنه ابن وسيكون الله الآب الكل في الكل، وفى الآخر سيخضع المسيح للآب لأنه، أي المسيح، يأتي بالإنسانية جمعاء إلى الله الآب... ولكن، بصرف النظر عن المخلوق وبصرف النظر عن الفداء، فالمسيح متجه إلى الآب لأنه مولود منه...
* المعنى الأخير للثالوث: لماذا كل هذه " الكركبة"، هذه " الشغلة" لماذا؟... فقط لأن الله هكذا قال... وما قاله صحيح... ولكن ما المعنى الأخير للثالوث؟... المعنى الأخير للثالوث هو أن الله محبّة... أي، هذا الإله الأول، كما تسميه الطقوس الأرثوذكسية، وهو الآب، الأول في النطق وليس الأول في الزمن... الأول من حيث أنه المصدر... هذا الإله الأول، لكونه محبّة، صدر عنه ابنه وروحه صدور حبّ... صدورًا لا زمنيًا، ولكنه صدورًا حبيًا كما يقول القديس مكسموس المعترف... الله الآب يحب بهذا المقدار أنه صدر عنه هذا الاثنان الابن والروح... وهذا يعنى أن الابن هو الآب مسكوبًا كليًا في الأقنوم الثاني... الابن معناه جوهر الآب، طبعا، وليس أقنوم الآب وفرد الآب كفرد، أي معناه جوهر الآب، طبيعة الآب وحياة الآب... وبكلمة عصرية، حياة الآب التي فيه انسكبت كليًا في الابن... فإذًا، يمكننا القول أن الآب نفسه مُضحّى بالابن وكذلك انسكبت كليًا في أقنوم ثالث، وهو الروح القدس، حتى تكتمل دورة المحبّة... قال متصوف أرثوذكسي التفكير وهو H. de Saint-Victor : { الآب يحبّ الابن، هكذا أن الروح القدس انبثق من الآب حتى يكون الابن محبًا للروح القدس وحتى يكون الابن محبوبًا من الروح القدس }.
من هنا أنه في التجسد، الله يأتي ليكلّم الناس... يقول " نيقولا كاسيلاس" أن الله هو الخطيب وهو كمن يخطب بنتًا فيأتي ويخطب ودها. المسيح خطيب للجنس البشرى... جاء ليبذل الحب للناس حتى يذعن الناس لهذا الحب. المسيح أحبّ، في النهاية، لكي يدرب الإنسانية، حتى يفتح قلبها على الله. المسيح هكذا فعل لأنه مفوض. وهو مفوض أن يفعل هذا لأنه هو هكذا، لأن من طبيعته أن يحب. الأمور كلها مضبوطة بشكل أن من لا يقبل الثالوث لا يقبل المحبة...
* الثالوث متجلي الله: وبالتالي، الثالوث القدوس هو المتجلّي وهو التعليم الكامل والسليم عن الله في حياته والذي هو وحده الأساس والضابط لكل شيء... من هنا ترون أن الثالوث ليس فذلكة عقلية وليس هو أن الآباء أرادوا أن يتسلّوا لأنهم درسوا الفلسفة اليونانية فركبوا الأمور هكذا... القضية ليست أننا فلاسفة أذكياء ونرتب الأمور هكذا... كلا... ذلك أن هذه القضية، قضية الثالوث، وصلنا إليه وهى كشفت لنا، في النهاية، على الصليب... الحمل الذبيح قبل إنشاء العالم والذي رأيناه مذبوحا، في وقت ما، على تلة من تلال أورشليم، هذا الحمل كشف لنا أن هذه العملية التي هي موته وحبه، عملية لا تفهم ولا تدرك إلا لأنها عملية تامة منذ الأزل... الله، منذ الأزل، أحب الجنس البشرى وأرسل الابن... الله حين ظهر إلى الوجود - وهو مجرد تعبير - أي قبل الوجود، سرمديًا، ظهر إلها محبًا، محاورًا نفسه ويحرّك الحب في نفسه حتى يستطيع أن يكشفه للناس، جوهرًا، بهذا المعنى... |
|||||||||||||||